لم تعد الحميات منخفضة الكربوهيدرات الخيار الصحي المثالي كما يعتقد كثيرون، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحة القلب، فقد أظهرت دراسة حديثة أن تقليل الكربوهيدرات أو الدهون لا يكفي وحده لتقليل المخاطر، بل قد يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج عكسية، لتعيد هذه النتائج طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية الأنظمة الغذائية الشائعة.
بيانات تمتد لثلاثة عقود اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات نحو 200 ألف شخص من العاملين في المجال الصحي، تمت متابعتهم على مدار 30 عامًا، وقارن الباحثون بين أنماط غذائية مختلفة وتأثيرها على أمراض القلب، ما منح النتائج قوة علمية لافتة، وأظهرت البيانات أن نوعية الغذاء تلعب دورًا حاسمًا يفوق مجرد تقليل الكميات.
الكربوهيدرات.. المشكلة في النوع لا الكمية كشفت النتائج أن الأشخاص الذين يعتمدون على كربوهيدرات مكررة ضمن أنظمة منخفضة الكربوهيدرات يواجهون خطرًا أعلى للإصابة بأمراض القلب بنسبة 14%، وفي المقابل، ينخفض هذا الخطر بنسبة 15% لدى من يتناولون كربوهيدرات عالية الجودة مثل الحبوب الكاملة والخضراوات.
ويشير ذلك إلى أن الكربوهيدرات ليست جميعها ضارة، بل تختلف آثارها حسب مصدرها.
الدهون بين الضرر والفائدة لم تقتصر الدراسة على الكربوهيدرات، بل تناولت أيضًا جودة الدهون، فقد ارتبطت الدهون المشبعة والمتحولة بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب، بينما أظهرت الدهون النباتية، مثل تلك الموجودة في المكسرات والأفوكادو، تأثيرًا وقائيًا، ويعزز ذلك فكرة أن اختيار نوع الدهون أهم من مجرد تقليلها.
ولدعم النتائج، أجرى الباحثون تحاليل دم لآلاف المشاركين، ما أتاح قياس مؤشرات صحية دقيقة، وأظهرت هذه التحاليل أن الأنظمة الغذائية الصحية ترتبط بارتفاع الكوليسترول الجيد وانخفاض الدهون الثلاثية، وهما عاملان مهمان في تقليل مخاطر أمراض القلب، كما كشفت التحاليل عن تحسن عام في وظائف التمثيل الغذائي.
بصمة الغذاء داخل الجسم أظهر تحليل "المستقلبات" أن الجسم يعكس بشكل مباشر نوعية الغذاء الذي يتناوله الفرد، فقد ارتبطت بعض المؤشرات الحيوية بتناول الفواكه والخضراوات، ما يشير إلى أن الأنظمة الغذائية الصحية تترك بصمة واضحة داخل الجسم، وهذا يعزز مصداقية العلاقة بين جودة الغذاء وصحة القلب.
ورغم قوة النتائج، لا يتفق جميع الخبراء على تصنيف كل الدهون والبروتينات الحيوانية كعناصر ضارة، فبعض المصادر الحيوانية قليلة الدهون قد تكون مفيدة ضمن نظام متوازن، ومع ذلك، يتفق معظم الباحثين على أن الأنظمة الغنية بالمصادر النباتية تقدم فوائد صحية أكبر على المدى الطويل.
مرونة في اختيار النظام الغذائي تشير الدراسة إلى أن الأفراد لا يحتاجون إلى الالتزام بنمط غذائي صارم واحد، إذ يمكن اتباع نظام منخفض الكربوهيدرات أو منخفض الدهون، بشرط التركيز على جودة المكونات، ويمنح ذلك مرونة أكبر في اختيار النظام الغذائي دون الإضرار بالصحة.
وتؤكد هذه الدراسة أن اختزال الصحة في تقليل الكربوهيدرات أو الدهون هو تبسيط مخل، فالعامل الحاسم يكمن في جودة الغذاء وتوازنه، لا في كميته فقط، وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الطريق إلى قلب صحي لا يمر عبر الحميات القاسية، بل عبر اختيار أطعمة أفضل وأكثر توازنًا.
هذا المحتوى مقدم من العلم
