خبرني - أربعة عقود من الخدمة العسكرية الصارمة، ومقعد في أعلى قمة الهرم القيادي للجيش البري الأمريكي، كلها تبخرت في غضون 24 ساعة. ففي صباح أمس الخميس، عبّر الجنرال راندي جورج بوابات البنتاجون كعادته اليومية، ليصطدم بقرار إقالة فوري وحاسم ينتظره على مكتبه، يحمل توقيع وزير الدفاع بيت هيجسيث؛ إقالة مجردة من أي إشعار مسبق، وخالية من مراسم الوداع العسكرية التقليدية أو حتى جلسات المساءلة، في ذروة حرب إيران.
هذا التحول الخاطف يتجاوز حدود التغييرات الإدارية الروتينية المتعارف عليها مع تبدل الإدارات المتعاقبة، ليضع واشنطن أمام زلزال صامت يضرب جذور المؤسسة العسكرية.
فالإطاحة بالضابط الذي يُعد أحد أبرز الوجوه القيادية العسكرية في حقبة الرئيس جو بايدن، تفتح الباب واسعًا لفك طلاسم المرحلة الجديدة داخل وزارة الدفاع الأمريكية، وتطرح تساؤلات ملحة حول المعايير المستحدثة التي باتت تُحدد بقاء الجنرالات في مناصبهم، وطبيعة الصدام المكتوم بين الإرث المؤسسي المتراكم للبنتاجون، والعقيدة السياسية الوافدة التي تسعى لإعادة هندسة الجيش الأمريكي من القمة إلى القاعدة.
لفهم ثقل ما جرى، لا بد من معرفة من هو الرجل الذي أُقيل. تخرج راندي جورج من الأكاديمية العسكرية الأمريكية في "وست بوينت" عام 1988، وبنى مسيرة ميدانية حافلة على مدى أربعة عقود. كما شارك في عملية "درع الصحراء" و"عاصفة الصحراء" مع الفرقة 101 المحمولة جوًا، ثم انتشر مرات عدة في العراق ضمن عملية "حرية العراق" حيث قاد كتيبة ثم لواءً كاملًا.
وفي أفغانستان، قاد فرقة المشاة الرابعة ضمن عملية "حارس الحرية". وقبل توليه رئاسة الأركان، شغل منصب قائد الفيلق الأول في قاعدة لويس-ماكورد المشتركة، ثم نائب رئيس الأركان.
ولهذا، فإن السؤال عن سبب إقالته بديهيًا جدًا في مثل هذا التوقيت، لأن مثله وبهذا السجل الميداني الحافل لا يُقال عادةً لقصور في الكفاءة، وإنما لسبب آخر تمامًا. وهذا السبب الآخر هو ما أثار حفيظة هيجسيث.
كان جورج قد شغل منصب المساعد العسكري الكبير لوزير الدفاع السابق لويد أوستن، الوجه الأبرز للسياسة الدفاعية في عهد بايدن. وهذا القرب من الإدارة السابقة كان، في نظر هيجسيث ودائرته، بمثابة "وصمة" تجعل جورج غير قابل للتوافق مع الرؤية الجديدة للبنتاجون، بصرف النظر عن عقود الخدمة الميدانية. إذ أن وزير الحرب في إدارة ترامب لا ينظر إلى الكفاءة بقدر ما يعتد بالولاء.
رئيس الأركان بين "روح المحارب" و"العقل المؤسسي"
لفهم ما جرى، لا بد من الغوص في فلسفة هيجسيث التي لم يُخفها يومًا. إذ ومنذ توليه منصبه، أعلن وزير الحرب في إدارة ترامب صراحةً أن مهمته هي "استعادة روح المحارب" في جيش يرى أنه "تدهور لعقود" بسبب ما وصفه بالأجندات السياسية وسياسات التنوع والشمول.
في هذه الرؤية، لا مكان للضباط الذين تشكّلت قياداتهم في رحاب إدارات سابقة، ولا لمن يُقدّم الاعتبارات المؤسسية على الولاء للتوجه الجديد. وجورج يمثل بامتياز النموذج الذي يريد هيجسيث التخلص منه: ضابط محترف، محايد سياسيًا، نشأ في ظل عقيدة عسكرية مختلفة.
إقالة جورج ليست حادثة منفردة، بل هي ذروة نمط ممنهج بدأ منذ الأشهر الأولى لتولي هيجسيث منصبه.
ففي يوم واحد فقط، 21 فبراير 2025، أقال هيجسيث دفعة كاملة من أرفع القادة العسكريين في البلاد: الجنرال تشارلز "سي كيو" براون رئيس هيئة الأركان المشتركة، والأدميرال ليزا فرانشيتي قائدة العمليات البحرية، والجنرال جيمس سلايف نائب رئيس أركان القوات الجوية.
ولم تتوقف الموجة عند هذا الحد؛ ففي أغسطس 2025 أُقيل الفريق جيفري كروز مدير وكالة استخبارات الدفاع (DIA)، وفي أكتوبر أُزيح الفريق دان كاين بعد توترات متراكمة. وصولًا إلى جورج في أبريل 2026، ليكتمل بذلك مشهد تطهير لم تشهده المؤسسة العسكرية الأمريكية في تاريخها الحديث.
حين أُسكت القانون أيضًا
ثمة بُعد يكاد يغيب عن التغطيات الإخبارية العادية، لكنه يُضيء الصورة كاملة على ما يجري داخل القيادة العسكرية الأمريكية: في اليوم ذاته الذي أُقيل فيه براون وفرانشيتي وسلايف، طالت إقالات هيجسيث رؤساء المكاتب القانونية العسكرية في الجيش والبحرية والقوات الجوية دفعةً واحدة.
أُقيل الفريق ستيوارت ريش رئيس المحامين العسكريين في الجيش، والأدميرال كريستوفر فرينش رئيس المحامين في البحرية. وفي مارس.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من خبرني
