يشكّل تعبير "العصف المأكول" واحدًا من أكثر المصطلحات الدينية بلاغةً وتأثيرًا في الوعي العربي، وقد جرى استحضاره في الأعوام الأخيرة ضمن خطاب سياسي وعسكري، خصوصًا من قبل "حزب الله". إلا أن استخدام هذا المصطلح في سياق الحروب الحديثة يثير تساؤلات عميقة حول دلالاته الحقيقية، وأهداف توظيفه، ومدى انطباقه على الواقع. سنحاول تفكيك هذا التعبير من جذوره ثم ننتقل إلى تحليل كيفية توظيفه من قبل "حزب الله"، ولماذا يمكن القول إن "العصف المأكول" قد ارتدّ عليه بدلا من أن يكون أداة انتصار له.
يرد مصطلح "العصف المأكول" في القرآن الكريم في سورة الفيل، في قوله تعالى: "فجعلهم كعصفٍ مأكول". والمقصود بـ"العصف" هو بقايا الزرع بعد حصاده، أي القشّ أو الأوراق اليابسة، فيما "المأكول" يشير إلى ما أكلته الدواب وتركته مهترئًا متفتتًا. بالتالي، فإن التعبير يرسم صورة شديدة القوة للهزيمة الساحقة، حيث يتحول جيشٌ قويّ إلى شيءٍ تافه، مهشم، بلا قيمة.
توظيف الدين في السياسة وقد جاء هذا الوصف في سياق الحديث عن جيش أبرهة الذي حاول هدم الكعبة، فدمّره الله بطريقة إعجازية عبر طيرٍ أبابيل، في دلالة على أن القوة الإلهية قادرة على تحطيم أعتى الجيوش إذا بغت وتجبرت.
في سياق الصراع مع إسرائيل، لجأ "حزب الله" إلى توظيف مفردات دينية ذات طابع رمزي قوي، ومنها "العصف المأكول"، بهدف رفع معنويات أنصاره، وإضفاء طابع "مقدّس" على المعركة. هذا الاستخدام ليس جديدًا، بل يدخل ضمن إستراتيجية أوسع تعتمد على الدمج بين العقيدة الدينية والعمل العسكري، بحيث تصبح الحرب وكأنها امتداد لمعركة تاريخية بين "الحق والباطل".
باستخدام هذا المصطلح، أراد الحزب أن يوحي بأن خصومه سيُهزمون هزيمة مذلّة، شبيهة بما حصل لجيش أبرهة. كما سعى إلى تقديم نفسه كأداة إلهية في تحقيق هذا النصر، مستندًا إلى سردية دينية تبرر التضحيات.
لكن هذا الاستخدام يطرح إشكالية كبيرة: هل يجوز إسقاط نصوص دينية ذات سياق إعجازي على صراعات سياسية وعسكرية معقّدة؟ وهل يعكس هذا الخطاب الواقع، أم أنه مجرد أداة دعائية؟
نحن أمام انقلاب المعنى حين يصبح "العصف المأكول" واقعًا معاكسًا.
إذا نظرنا إلى نتائج المواجهات الأخيرة التي خاضها "حزب الله"، نجد أن الواقع لا يتطابق مع الصورة التي حاول رسمها. فبدلا من أن يتحول خصومه إلى "عصف مأكول"، نجد أن مناطق واسعة من الجنوب اللبناني قد تعرضت لدمار كبير، ونزح مئات الآلاف من المدنيين، وتضررت البنية التحتية بشكل بالغ.
هذا الواقع يطرح سؤالًا صريحًا: ما الذي تحوّل فعليًا إلى "عصف مأكول"؟
في الحروب الحديثة، لا يكفي الخطاب العقائدي لتحقيق النصر. فموازين القوى، والتكنولوجيا العسكرية، والدعم الدولي، كلها عوامل حاسمة. وفي ظل اختلال هذه الموازين، يصبح استخدام مصطلحات دينية ضخمة أشبه بمحاولة تعويض نفسي عن عجز ميداني.
بل إن الأخطر من ذلك هو أن هذا الخطاب قد يساهم في تضليل البيئة الحاضنة، عبر خلق توقعات غير واقعية، ما يؤدي لاحقًا إلى صدمة جماعية حين تتكشف الحقائق.
استخدام نصوص دينية لشرعنة قرارات عسكرية إن أحد أبرز أوجه النقد الموجهة لـ"حزب الله" هو أنه يجرّ لبنان إلى مواجهات لا يملك قرارها السيادي الكامل، ولا القدرة على تحمّل تبعاتها. ففي كل جولة تصعيد، يدفع المدنيون اللبنانيون الثمن الأكبر، سواء عبر التهجير أم الخسائر الاقتصادية أم الدمار.
وفي هذا السياق، يبدو استخدام مصطلح "العصف المأكول" نوعًا من التلاعب الرمزي، حيث يتم تصوير المعركة كملحمة نصر، بينما يعيش المواطن العادي واقعًا مختلفًا تمامًا، مليئًا بالخسارة والمعاناة.
كما أن هذا الخطاب يهمّش أي نقاش عقلاني حول جدوى الحرب، أو حول البدائل الممكنة، ويضع المعارضين في خانة "المشككين" أو حتى "الخونة"، ما يضيق هامش النقاش الديمقراطي داخل المجتمع اللبناني.
إن توظيف "حزب الله" للدين في الصراعات يحمل مخاطر كبيرة. فعندما يتم استخدام نصوص دينية لإضفاء شرعية على قرارات عسكرية، يصبح من الصعب مساءلة هذه القرارات، لأنها تُقدّم كجزء من إرادة إلهية، ألم يتحدث السيد حسن نصرالله عن"نصر إلهي" إثر حرب يوليو 2006؟
في حالة "حزب الله"، يبدو أن هذا التوظيف بلغ حدًّا يجعل من الصعب التمييز بين المقدّس والبشري، بين الإيمان والإستراتيجية. وهذا الخلط قد يؤدي إلى تبرير أخطاء جسيمة، بل وحتى إلى تكرارها، طالما أنها مغطاة بخطاب ديني.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نجح "حزب الله" في تحويل خصومه إلى "عصف مأكول"، أم أن هذا المصطلح ارتدّ عليه ليعكس واقعًا مختلفًا؟
المعطيات تشير إلى أن الكلفة التي تكبّدها لبنان، بشعبه واقتصاده وبنيته التحتية، تفوق بكثير أي مكاسب رمزية أو إعلامية. وبالتالي، فإن الاستمرار في استخدام هذا النوع من الخطاب قد لا يكون سوى محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة.
"العصف المأكول" ليس مجرد تعبير بلاغي، بل وصف لنهاية مأساوية لقوةٍ ظنّت نفسها منيعة. وعندما يُستخدم هذا المصطلح خارج سياقه، دون إدراك عميق لمعناه، فإنه قد يتحول من أداة تعبئة إلى مرآة تعكس واقعًا مؤلمًا واقع قد يكون فيه من استخدم المصطلح أي "حزب الله"، هو الأقرب إلى أن يصبح "عصفًا مأكولًا".
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
