غالباً ما تحجب غيوم الحروب رؤية المتأمل، فلا يرى سوى الصراع الجيوسياسي التقليدي على النفوذ والموارد، بينما تغيب عنه طبقات أعمق يتشكل فيها النزاع الحقيقي: طبقة المفاهيم المؤسسة لوعي المجتمعات واتجاه الدول. فما من حرب تشتعل في الميدان إلا وتكون قد احتدمت أولاً في ميدان الفكر، حيث تتصارع الرؤى حول الدولة، والشرعية، والهوية، والأمن، والانتماء.
ومن هذا المنظور، فإن التصعيد العسكري غير المسبوق الذي شهدته المنطقة، والعدوان الإيراني الإرهابي، الذي لم يرعَ حقّ الجوار، ولا ذِمَام المشتركات الحضارية، ولا حتى المصالح الاستراتيجية، كل ذلك لا يمكن فهمه بمعزل عن التباين الجذري بين نموذجين: نموذج «الدولة الوطنية» الساعي لترسيخ الاستقرار، ونموذج «ولاية الفقيه» القائم بطبيعته على التأزيم المستمر.
فحين تُطلق دولة آلاف الصواريخ نحو بُنى تحتية مدنية، فإنها لا تعلن فقط عن ارتباكها العسكري، بل تكشف أيضاً عن إفلاس حضاري عميق وانهيار في منظومتها القيمية. وهنا تتجلى الحقيقة الأهم: هذا الصراع لا يُخاض بالسلاح وحده، بل بالمفاهيم التي تؤطره وتمنحه معناه. وأخطر المعارك ليست تلك التي تدور في الميدان، بل تلك التي تدور داخل الكلمات نفسها.
وفي صلب هذه المعركة يبرز مفهوم الدولة بوصفه خط الصدع الأكبر. فبينما تتبنى دول الخليج العربي، وفي مقدمتها الإمارات، نموذج الدولة الحديثة التي تقوم على السيادة الإقليمية، وحكم القانون، وبناء المؤسسات، وتحقيق التنمية المادية والبشرية، يقوم نموذج ولاية الفقيه على تصور طوباوي عابر للحدود، يجعل الولاء الأيديولوجي فوق الانتماء الوطني، ويحوّل الدولة إلى مجرد أداة في مشروع توسعي لا يعترف بحدود ولا بسيادات.
ويمتد هذا التباين إلى طبيعة الشرعية ذاتها. فهناك أنظمة تستمد مشروعيتها من التعبئة الدائمة، ومن اختلاق الأعداء، ومن إبقاء المجتمع في حالة استنفار وتأزيم. وهناك أنظمة تبني شرعيتها من الإنجاز: من تعليم يتحسن، وصحة تتطور، واقتصاد يتنوع، وفرص تتوسع، وشراكات استراتيجية تتعمق. الأول يعيش على الخوف، والثاني يترسّخ بالثقة.
يتجلى هذا التناقض بوضوح في الخطاب الموجه للمواطن، فالنموذج الأول يهمس في أذن مواطنه: «عدوك في الخارج هو سبب بؤسك، وأنا حارسك الأوحد منه». أما النموذج الثاني فيقول للمواطن بثقة: «رفاهك وأمنك وفرصك هي مسؤوليتي المباشرة أمامك». ولهذا يقاس الأول بمعياره الوحيد وهو الأعداء الذين اختلقهم والحروب التي أشعلها، بينما يُقيَّم الثاني بشواهده الملموسة من بنى تحتية مزدهرة، ومؤسسات فاعلة، وأجيال تسلحت بالعلم والمعرفة، ومجتمعاتٍ تسودها روح السكينة والأخوة.
ومن هنا، يصبح مفهوماً أن يرى نظام قائم على شرعية «العدو الخارجي» في نجاح جاره تهديداً وجودياً. فنجاحات دول الخليج العربية، بما حققته من استقرار وتنمية واعتدال، تفضح السردية التي يقتات عليها نظام الملالي، وتُسقط عملياً دعاواه الكبرى.
هذا التناقض العميق يصيب لغة الحوار الدبلوماسي بالشلل، جاعلاً من المصطلحات الدبلوماسية قوالب لفظية بلا معنى مشترك. فحين يُذكر «الأمن الإقليمي»، فهو يعني في القاموس الخليجي حدوداً آمنة ومستقرة، ومصالح محمية، ومعايش مستمرة، بينما يعني في قاموس طهران نفوذ الميليشيات وشرعنة الفوضى، وتحويل الدول إلى ساحات تابعة.
وفي قلب هذا التشوّه، تبرز مفاهيم أخرى كمفهوم الأمة، والجهاد، والولاء. لقد كانت هذه المفاهيم في جوهرها الأصيل أفقاً أخلاقياً نبيلاً، وأطراً للتضامن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
