واشنطن في مواجهة طهران: مخاطر كبيرة ومكاسب محدودة

مايكل يونغ* - (مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط) 19/3/2026

يتناول حسن منيمنة، في مقابلة معه، الصراع الدائر راهنًا وما يرافقه من سوء تقدير.

***

حسن منيمنة هو باحث غير مقيم في "معهد الشرق الأوسط" في واشنطن العاصمة، متخصّص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم الإسلامي الأوسع، مع تركيز خاص على النزعات الراديكالية والانقسامات الفئوية. شغل على مدى ثلاثة عقود مناصب بحثية في عدد من مراكز الأبحاث في واشنطن، وتولّى مناصب تنفيذية رفيعة في منظّمات تُعنى بالسياسة العامة والتنمية في الولايات المتحدة والشرق الأوسط. ويحلّ منيمنة بصورة منتظمة ضيفًا على عدد من القنوات الإخبارية الدولية الناطقة بالعربية. وقد أجرت "ديوان" مقابلة معه في أوائل آذار (مارس) من أجل الاطّلاع على قراءته للصراع الذي تدور رحاه راهنًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى. وكانت إجاباته على النحو الآتي:

مايكل يونغ: أشرتَ في مقابلاتٍ تلفزيونية عدة إلى أن هذه الحرب التي يخوضها الجانب الأميركي - الإسرائيلي ضد إيران هي في الواقع حرب إسرائيل، التي انضمّ إليها الأميركيون. ودعمتَ حجّتك بالاستشهاد بتصريحات وزير الخارجية الأميركية، ماركو روبيو، التي تصب في هذا الاتجاه. إذا كنتَ على حق، كيف سيؤثر ذلك برأيك على المسار الذي ستتبعه هذه الحرب، خاصة وأن أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل منها لا تبدو متطابقة؟ أم إنها كذلك؟

حسن منيمنة: إلى جانب الكم الهائل من الأدلة الظرفية التي توحي بقوة بأن الولايات المتحدة وافقت ضمنيًا على رغبة إسرائيل في استئناف جولة الحرب التي اندلعت في حزيران (يونيو) 2025، فإن مجرد إلقاء نظرة سريعة على الوضع الإقليمي السابق للحملة الأميركية - الإسرائيلية المشتركة يكشف أن انخراط واشنطن في مثل هذه الحرب لم يكن يُرجَّح أن يعزز موقعها الاستراتيجي العام إزاء إيران إلا بشكل طفيف، في حين أنه يعرّض شبكة النفوذ والتأثير والهيمنة التي بنتها الولايات المتحدة في أرجاء المنطقة لمخاطر جسيمة.

نجحت الولايات المتحدة، من باكستان إلى مصر، ومن تركيا إلى اليمن، في إرساء ظروف تتعامل وفقها مع الدول بشكل يخدم مصالحها، على الرغم من الضرر الذي لحق بمصداقيتها نتيجة دعمها الصريح للأهداف الإسرائيلية القصوى. وترى جميع عواصم المنطقة أن العلاقة مع واشنطن، حتى عندما يشوبها التوتر، كانت وما تزال عاملًا محوريًا في صياغة السياسات العامة وتحديد طبيعة الانخراط مع سائر الشركاء والأطراف. وربما كانت إيران هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط الخارجة عن نطاق السيطرة الأميركية الفعلية. ولكن، حتى الجمهورية الإسلامية تراجَع زخمها بعد اغتيال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإيراني" في كانون الثاني (يناير) 2020، وأصبحت في وضع دفاعي أحسنت واشنطن استغلاله، حيث شدّدت حملة العقوبات والضغط على طهران، وأتاحت فرصًا واسعة أمام الاستخبارات الإسرائيلية من أجل تكثيف اختراقها للمجتمع والدولة في إيران.

إن أفول الجمهورية الإسلامية بصيغتها الصِّدامية الحالية التي تدمج بين الدولة والمشروع الثوري هو أمرٌ يصبّ مباشرةً في خدمة المصلحة القومية الأميركية. لا تستطيع واشنطن أن تتحمل تكرار الإخفاق الذي مُنيت به في كوريا الشمالية. فقد نجحت هذه الأخيرة على مر العقود في استغلال ثغرات النظام الدولي وفترات تراجع الاهتمام الأميركي بها لتتحول إلى قوة نووية قادرة على تهديد الولايات المتحدة -بل وحتى زعزعة النظام العالمي. وحتى بمعزل عن حساسية إسرائيل المُفرطة التي تدعوها إلى المطالبة بإسقاط كل نظام تعتبره تهديدًا وجوديًا لها، كانت لدى الولايات المتحدة مصلحة فعلية في منع إيران من التحول إلى قوة عسكرية نووية.

بناءً على ذلك، عمَدت إيران إلى تكييف استراتيجيتها مع هذا التوجه. عوضًا عن السعي بصورة صريحة ومباشرة إلى تطوير قدرات نووية عسكرية، سعت طهران إلى جمع المواد النووية ذات "الاستخدام المزدوج"، المدني والعسكري، التي من شأنها أن تمكّنها في نهاية المطاف من عبور العتبة النووية متى ما رأت ذلك ضروريًا، وخلال فترة زمنية معقولة. هذا النهج -القائم على تطوير إمكانات إيران العلمية والصناعية والعسكرية ضمن حدود ما اعتُقِد أنه يتوافق مع القانون الدولي- شكّل في نظر طهران نوعًا من الردع الذي يعادل امتلاك كوريا الشمالية الفعلي للأسلحة النووية. وربما ظنّت إيران أنها راكمت ما يكفي من المقومات لتصبح محصّنة ضد أي اعتداء خارجي. وبدا أن الاتفاق النووي المُبرَم مع الجمهورية الإسلامية في العام 2015 قد أثبت صوابية المقاربة الإيرانية.

لكن انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من "الاتفاق النووي الإيراني" في العام 2018 كشف عن رغبة واشنطن في تقويض التوازن الذي سعت طهران إلى إرسائه. ومن الناحية الموضوعية، اتسمت هذه السياسة الأميركية الجديدة بالاتساق وحققت نتائج ملموسة. وفي المقابل، لجأت طهران إلى تبني نهج "الصبر الاستراتيجي"، آملةً في أن يتبدد تركيز واشنطن على الملف الإيراني مع تغير الإدارة الأميركية. لكن رئاسة جو بايدن لم تشكل امتدادًا للنهج التصالحي الذي اعتمده الرئيس باراك أوباما، بل اتصفت بسعي مؤقت إلى تخفيف حدة المواجهة معها إلى أن بدأت ولاية ترامب الثانية.

على الرغم من التصريحات المتشددة الصادرة عن صقور داخل الإدارة الحالية وخارجها، والتي صعّدت الموقف عبر إقامة صلة مباشرة بين إيران والهجمات التي نفذتها "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ساد في واشنطن شعور بالارتياح بأن الولايات المتحدة وضعت إيران على مسار بطيء نحو زوالها. وكان الرأي الغالب لدى الواقعيين في السياسة هو أن العقوبات والضغوط الساحقة ستُفاقم مشاكل النظام، وتُحدث تصدعات داخله، وتؤجج الاحتجاجات ضده، وتدفعه في نهاية المطاف إلى الانهيار، سواء كان ذلك عبر انقلاب من داخل المؤسسة العسكرية أو عبر أزمة بنيوية قد تنفجر بعد وفاة المرشد الأعلى. وقدمت واشنطن دعمًا غير مشروط لإسرائيل مكّنها من المضي قدمًا بممارساتها في فلسطين التاريخية والجوار، في ظل الحرص على عدم تعطيل الزخم الذي اكتسبته سياسة احتواء إيران الخانقة -سواء لقناعة المسؤولين الأميركيين بفعالية هذه السياسة، أو لما قد يؤدي إليه تعطيلها من تداعيات على المنظومة الإقليمية التي بنتها الولايات المتحدة وعززتها وحافظت عليها.

كان التخلي عن هذا النهج الدقيق الذي جرى ضبط توازنه بعناية لصالح الدخول في عملية عسكرية عالية المخاطر ضد إيران مقابل مكاسب هامشية ومحدودة، ليشكل قرارًا متهورًا لأي قيادة أميركية. ويميل ترامب بطبيعته إلى التهور، ويستجيب بسهولة أكبر للمقترحات التي تتيح له الظهور بمظهر قائد استثنائي. لكن التلاعب الفج بطباع شخصية هذا الرئيس الإشكالي على نحو غير مألوف من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومناصريه المتشددين في واشنطن، الذين انتزعوا منه تصريحًا بعد آخر لإيقاعه في مسار تصعيدي عدائي، ثم دفعه في نهاية المطاف إلى الانخراط في عملية تلحق الضرر بالسياسة الأميركية، شكّلا دليلًا قاسيًا على هشاشة النظام السياسي الأميركي، والتي قد تكون مأساوية.

كان من مصلحة الولايات المتحدة الوطنية تفادي اندلاع الحرب، والسماح باستكمال مسار انحسار إيران تدريجيًا وصولًا إلى هبوط هادئ. أما الآن وقد وقعت الحرب، فباتت مصلحة واشنطن تكمن في الحد من الأضرار التي قد تلحق بالمنظومة الإقليمية التي بنتها. ويتعارض ذلك مع هدف إسرائيل المتمثل في إسقاط النظام الإيراني بأي ثمن، وكذلك في إرساء ظروف، نتيجة لهذا الانهيار، من شأنها تقويض قوة جميع خصوم إسرائيل الإقليميين، حاضرًا أو مستقبلًا. وقد استغلت إسرائيل حاجة ترامب إلى عدم الخروج مهزومًا من هذه الحرب الاختيارية من أجل دفع رؤيتها ومصالحها قدمًا، ما أضر بالنهج الأميركي التدريجي والقائم على الواقعية السياسية.

يونغ: كيف تتوقع أن ينتهي هذا الصراع، وما تقييمك للتصريحات المتفائلة الصادرة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين؟ وهل تعتقد أنهم فعلًا في موقع يمكّنهم من تحقيق الأهداف التي وضعوها، أي إنهاء برنامج إيران النووي، وتقليص قدراتها الصاروخية البالستية بشكل كبير، وقطع علاقاتها مع حلفائها الإقليميين؟

منيمنة: قد ينتهي الصراع بالتوصل إلى ترتيب على غرار النموذج الفنزويلي، أي أن تنصاع القيادات المتبقية من النظام الإيراني لترامب، الذي قد يعلن نفسه رئيسًا لإيران الجديدة، أو ربما حتى مرشدها الأعلى. لكن هذا السيناريو مستبعد للغاية. والنتيجة الأكثر ترجيحًا للحرب المشتركة التي يشنّها الجانب الأميركي الإسرائيلي قد تتمثل، بدلًا من ذلك، في بقاء جمهورية إسلامية ضعيفة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 52 دقيقة
منذ 11 ساعة
منذ 50 دقيقة
منذ 17 دقيقة
منذ 25 دقيقة
منذ 8 دقائق
خبرني منذ 6 ساعات
خبرني منذ 17 ساعة
خبرني منذ 3 ساعات
قناة رؤيا منذ 20 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 13 ساعة
خبرني منذ 9 ساعات
قناة رؤيا منذ 23 ساعة
خبرني منذ 12 ساعة