الفراغ الإداري رحلة المعنى الضائع

هناك، بين الجدران المتهالكة لمؤسسةٍ يفترض أن تكون صرحًا للعمل والعطاء، لكنها في واقعها خواءٌ ممتد، وقف الموظف مذهولًا، لا من حجم العمل، بل من ضآلة المعنى. كان المشهد أكبر من مجرد خلاف إداري، وأعمق من مجرد صراع وظيفي؛ كان مواجهة غير متكافئة بين إنسان يحمل فكرة، وبين سلطة لا تحتمل وجود الفكرة من الأساس.

في تلك اللحظة، لم تكن الجدران المتشققة مجرد بناءٍ قديم، بل انعكاسًا دقيقًا لحالةٍ داخلية، حالة مؤسسة تآكلت فيها القيم قبل أن تتآكل فيها الحجارة. كل شيء يوحي بأن الزمن قد مرّ من هنا، لكنه لم يترك أثر تطور، بل ترك أثر إهمال. وبين هذا الركام، كان الموظف يحاول أن يقف، لا دفاعًا عن نفسه فقط، بل عن فكرةٍ ما زال يؤمن بها: أن العمل يمكن أن يكون شريفًا، وأن الكلمة يمكن أن تُسمع، وأن الحق لا بد أن يجد له مكانًا.

لكن الواقع كان أكثر قسوة. فقد انهارت كل جدران التكافؤ أمام سلطة تقديرية بلا ضابط، تتحرك وفق أهواء لا وفق قواعد، وتُستخدم لا لتحقيق العدل، بل لتكريس الهيمنة. الحقوق مؤجلة دائمًا، كأنها وعدٌ مؤجل إلى أجلٍ غير مسمى، أما العقاب، فحاضرٌ وفوري، ينزل بلا سبب واضح، كأنه رسالة ترهيب أكثر منه إجراءً إداريًا. هنا، لم يعد القانون مرجعًا، بل أصبح مجرد واجهة، تُرفع عند الحاجة وتُغيب عند الرغبة.

اصطدم الرأي بعناد الفراغ، لا لأن الرأي ضعيف، بل لأن الفراغ لا يقبل الامتلاء. كان المدير نموذجًا صارخًا لهذا التناقض؛ عنيدًا حين يتعلق الأمر بما هو حق، ولينًا إلى حد التهاون حين يتعلق بالباطل والفساد. كأن الموازين قد انقلبت، فأصبح الخطأ مبررًا، وأصبح الصواب عبئًا يجب التخلص منه. لم يكن الأمر مجرد خلل إداري، بل خلل في البوصلة الأخلاقية، حيث يغيب معيار الصواب والخطأ، ويحل محله معيار القرب والبعد، والولاء والطاعة العمياء.

وفي هذا المناخ، لم تعد الحرية قيمة، بل تهمة. سُفكت دماؤها بصمت، لا بقرارٍ معلن، بل بسلوكٍ يومي متكرر، يُفرغها من معناها حتى تختفي. أصبح المطلوب ليس أن تعمل، بل أن تُطيع، وليس أن تُبدع، بل أن تتماشى. ومع غياب فروض الولاء الحقيقي ذلك الولاء القائم على الانتماء والإخلاص حلّت محلها طاعة شكلية، خاوية من أي معنى، تُفرض بالقوة لا تُكتسب بالاحترام.

كان المشهد.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من مجلة نقطة العلمية

إقرأ على الموقع الرسمي


موقع سفاري منذ 12 ساعة
موقع سفاري منذ 13 ساعة
العلم منذ 10 ساعات
موقع سفاري منذ 13 ساعة
موقع سائح منذ 18 ساعة
موقع سفاري منذ 13 ساعة
موقع سفاري منذ 20 ساعة
موقع سفاري منذ 13 ساعة