في عام 2020 احتفل المهرجان القومي للمسرح المصري بمرور (150) سنة مسرح في مصر، اعتماداً على المتعارف عليه بأن «يعقوب صنوع» هو رائد المسرح المصري، كونه أنشأ مسرحه عام 1870!! والحقيقة أن الاحتفال كان «خجولاً» و«محدوداً»، ولا يليق بمكانة مصر المسرحية، حيث كان الاحتفال عبارة عن «محاولة» لفرض أمر واقع غير مقنع بريادة صنوع، وذلك لإسكات صوت «البحث العلمي» الذي أثبت زيف هذه الريادة!! وبذلك فشلت المحاولة، وفشل الاحتفال الذي جاء بنتيجة عكسية، لأن «صوت البحث العلمي» كان الأقوى والأعلى، وهو الصوت الذي ينادي الآن -بكل حيادية وشفافية- بوجوب الاحتفال بمرور «150 سنة مسرح» هذا العام 2026، كون ريادة المسرح العربي في مصر كانت عام 1876 على يد «سليم خليل النقاش»، ولم تكن عام 1870 على يد «يعقوب صنوع»!! هذه هي خلاصة الموضوع، أما تفاصيله فتتمثل في الآتي:
في عام 1953 نشر الدكتور إبراهيم عبده كتابه «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر»، وفيه نشر الدكتور «مذكرات يعقوب صنوع» -المشهور باسم «أبونظارة»- وهي المذكرات التي ذكر فيها صنوع أنه رائد المسرح في مصر، وتناقلت هذه الريادة جميع الكتب والدراسات المنشورة عن صنوع في جميع أنحاء العالم وبمختلف اللغات، فصنعت منه «أسطورة»، حتى نشر أحد الباحثين كتاباً عام 2001 عنوانه «محاكمة مسرح يعقوب صنوع»، شكك في مذكرات صنوع، وفي ريادته للمسرح المصري، ثم نشر الباحث كتباً أخرى ودراسات وبحوثاً متنوعة جعلت شكه يصل إلى اليقين عند أغلب الباحثين!! والسبب في ذلك ما أثبته من أن يعقوب صنوع كتب بنفسه عن نفسه، حيث إن مذكرات صنوع لا إثبات لها، ولوقائعها، ولما جاء فيها خارج كتابات صنوع نفسه، كونه هو «المصدر الوحيد» لكل ما كتبه في مذكراته!! ومن هنا طرح الباحث عدة أسئلة منطقية لم يجرؤ أحد على الإجابة عنها حتى الآن طوال ربع قرن، ومنها:
يقول صنوع في مذكراته إنه مثّل بعض مسرحياته أمام الخديو إسماعيل -وبحضور كبار القوم- على مسرح قصر النيل عام 1870، فمنحه الخديو لقب «موليير مصر»! فهل يُعقل أن نصدق هذه القصة دون وجود أية وثيقة أو مقالة منشورة أو أية كتابات حول هذا الأمر إلا في مذكرات صنوع فقط؟!! ويقول صنوع في مذكراته إنه ألّف اثنتين وثلاثين مسرحية، وكوّن فرقتين مسرحيتين ضمّتا فتاتين، وعرض مسرحيته «الضرتين» 53 مرة، ومسرحيته «آنسة على الموضة» 100 مرة، وبلغت عروضه في عامين أكثر من 300 ليلة عرض، وكانت الجماهير تحضر بالآلاف، وظل مسرحه يعمل حتى أمر الخديو إسماعيل بإغلاقه عام 1872. وبناءً على هذه المعلومات والأرقام طرح الباحث عدة أسئلة، منها: كم إعلاناً حصلنا عليه لمئات عروض صنوع المسرحية؟ وكم مقالة نُشرت عن هذه العروض المسرحية؟ وكم صحفي أدلى برأيه في هذه العروض؟ وكم وثيقة وجدناها تتعلق بهذا النشاط المسرحي الريادي؟ وكم وثيقة وجدناها تتعلق بإنشاء أو بإغلاق مسرح صنوع؟ وكم حواراً وجدناه منشوراً لأعضاء فرقتي صنوع المسرحية؟ وكم مقالة نُشرت حول أول فتاتين مصريتين تعملان في المسرح؟ .. إلخ هذه الأسئلة، والإجابة تتمثل في: لم نجد سطراً واحداً منشوراً يُجيب -من قريب أو من بعيد- على سؤال واحد من هذه الأسئلة، طوال الفترة ما بين عامي (1870 1872م)، وهي فترة نشاط مسرح صنوع، تبعاً لأقوال صنوع في مذكراته!!
هذه الأسئلة -التي لم يجب عنها أحد حتى الآن- دفعت الباحث إلى الاجتهاد أكثر، وحاول أن يبحث في الكتابات التي تحدثت عن ريادة المسرح المصري قبل ظهور مذكرات صنوع عام 1953، فوجد أن هذه الكتابات لا تعرف شيئاً عن ريادة صنوع المسرحية، بل وجد أن الريادة مخصصة لسليم خليل النقاش اللبناني، ومنها قول المسرحي «محمود واصف» عام 1895: "إن فن التشخيص بلغتنا العربية لم يدخل إلى بلادنا المصرية إلا منذ عهد قريب على يد طيب الذكر سليم أفندي النقاش". وقول «جرجي زيدان» في مجلة «الهلال» عام 1896: "لم يدخل فن التمثيل العربي إلى هذه الديار إلا في أواخر حكم المغفور له الخديو إسماعيل باشا، وأول من مثل رواية تشخيصية فيها المرحومان أديب إسحاق وسليم نقاش". وقول جريدة «الأخبار» عام 1912: "هيهات أن ننسى الأديبين الكبيرين المرحومين سليم النقاش وأديب إسحاق اللذين أخرجا فن التمثيل إلى عالم الوجود في مصر". وقول جورج طنوس عام 1917: "ظهر التمثيل العربي في هذه الديار وكانت نشأته الأولى في الإسكندرية على أيدي الأديبين الشهيرين إسحاق والنقاش". وقول «محمد تيمور» عام 1919: "أتانا التمثيل ... وأول من جاءنا به قوم من فضلاء السوريين أمثال النقاش وأديب إسحاق والخياط ... ولقد نجحوا في بناء أساس ذلك الفن نجاحاً كبيراً ... وأنشؤوا بأيديهم فن التمثيل في مصر". وقول «خليل مطران» في مجلة «الهلال» عام 1921: "المرحوم سليم النقاش ... أول من أنشأ فرقة للتمثيل بمصر باتفاق بينه وبين الحكومة". وقول الدكتور محمد فاضل عام 1932: "كان ظهور هذا الفن في مدينة الإسكندرية، حيث كانت أصونة الأدباء إسحاق والنقاش والخياط مخيمة في ميدان المنشية" ..إلخ الأقوال التي تثبت ريادة النقاش، ولم تذكر يعقوب صنوع نهائياً!!
بناءً على ما سبق نجد أن «البحث العلمي» بما أثاره من أسئلة منطقية أثبت أن ريادة صنوع للمسرح المصري غير حقيقية، ولا يوجد أي دليل عليها!! وهذه الحقيقة العلمية تتصادم مع أكذوبة عشنا معها وتحدثنا بها وتناقلناها منذ عام 1953 -وحتى الآن- تقول إن يعقوب صنوع هو رائد المسرح المصري، واحتفلنا بمرور «150 سنة» على ريادته!! فمن يحلّ هذه المعضلة بصورة حاسمة، بعيدة عن التأويلات، والتفسيرات، والاحتمالات، كون الباحث نجح حتى الآن في تفنيد أي تأويل أو تفسير أو احتمال غائب يدل على ريادة صنوع المسرحية!! فنحن في حاجة إلى حسم هذه القضية -في هذا العام 2026 - كي نحتفل بمرور «150 سنة» على ريادة سليم النقاش للمسرح في مصر، والتي تؤكدها الوثائق والمقالات وأقوال المؤرخين والمسرحيين منذ عام 1876، أو نأتي بأدلة تثبت صحة مذكرات صنوع وما ذكره فيها من ريادته للمسرح المصري، التي أخفق «أغلب» الباحثين في إثباتها حتى الآن!!
الاقتراح المُقدم
عندما صدر كتاب «محاكمة مسرح يعقوب صنوع» أثار ضجة كبيرة لم يفق منها أغلب الباحثين حتى اليوم!! فمن فكّر بعقله لم يجرؤ على البوح بحقيقة ما أنتج عقله من أفكار ونتائج!! ومن فكّر بمشاعره رفض أن يغير ما تعلمه وعاش على تلقينه من أن يعقوب صنوع هو رائد المسرح المصري!! ومن فكّر بتشدده وجد مخرجه باتهام مؤلف كتاب المحاكمة بالعصبية وعدم الوطنية!! وبناءً على ذلك وحسماً لهذه الريادة القلقة أقترح بأن تتولى «جهة رسمية مسئولة» عقد مؤتمر أو ندوة حول شخصية «يعقوب صنوع» في جميع المجالات المذكورة في مذكراته!! فإذا كنا فشلنا في إيجاد الدليل على ريادة صنوع المسرحية، فربما نجدها في مجال آخر من المجالات التي ذكرها صنوع في مذكراته!!
فلماذا لا تدعو «الجهة الرسمية المسئولة» في المؤتمر أو الندوة المتخصصين في مجال تاريخ التعليم في مصر للبحث عن اسم يعقوب صنوع، بوصفه تلميذاً أو أستاذاً أو مفتشاً، سواء في مدرسة المهندسخانة، أو في أية مدرسة أخرى، كما قال في مذكراته؟! ولماذا لا ندعو المتخصصين في مجال تاريخ أسرة محمد علي باشا الكبير، للبحث عن روفائيل صنوع -والد يعقوب صنوع- بوصفه موظفاً أو مستشاراً لأحد أفراد أسرة محمد علي، كما جاء في مذكرات صنوع؟! ولماذا لا ندعو كذلك المتخصصين في مجال الجمعيات الأدبية والسياسية والمحافل الماسونية، ربما يجدون اسم صنوع ضمن أعضائها، كما قال صنوع في مذكراته!! ولماذا لا ندعو المتخصصين في تاريخ الخديو إسماعيل والشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ربما يكتشفون دور صنوع الحقيقي في هذه الفترة ومع الشيخين تحديداً، كونه أستاذاً لهما كما جاء في مذكراته!! وأيضاً ندعو المتخصصين في مجال القوانين والأوامر والفرمانات، ربما يجدون أوامر إغلاق مسرح صنوع، أو مصادرة جريدته، أو نفيه إلى باريس كما جاء في مذكراته!! كذلك ندعو المتخصصين في تاريخ نضال أحمد عرابي ومصطفى كامل، ربما يجدون دوراً لصنوع أو تأثيراً له على الزعيمين كما جاء في صحف صنوع!! وأخيراً ندعو المتخصصين في تاريخ يهود مصر للبحث عن اسم يعقوب صنوع الحقيقي، ومعرفة تاريخ مولده، وعمله، ونشاطه، وجنسيته .. إلخ!! وربما عن طريق هذه المجالات نصل إلى حقيقة ريادة يعقوب صنوع للمسرح العربي في مصر، من عام 1870 إلى 1872، حيث لا مجال لحسم هذه الريادة عن طريق التأويل، أو التفسير، أو التخمين! بل يجب حسمها -بعيداً عن أقوال صنوع وكتاباته، وكتابات أصدقائه- وذلك بإيجاد الدليل القاطع المانع المنشور في زمن صنوع أثناء وجوده في مصر، وأن يشتمل هذا الدليل على عبارات واضحة عن المسرح، وأن يُذكر فيه -صراحة- اسم «يعقوب صنوع»!!
أما أغلب الباحثين في مجال المسرح -مصريين أو عرب أو أجانب أو مستشرقين .. إلخ- فعليهم أن يشاركوا في الموضوع بأبحاثهم من أجل الإتيان بالأخبار المنشورة عن مئات العروض المسرحية التي عرضها صنوع في القاهرة كما قال في مذكراته؟! وهل هناك من رآها وتحدث عنها؟ وهل هناك صحف مصرية قامت بتغطية هذه العروض؟ وهل هناك من كتب عنها في زمنها؟ وهل وجدنا «ممثلاً» واحداً من ممثلي فرقتي صنوع المسرحية -كما جاء في مذكرات صنوع- روى لنا ذكرياته المسرحية عن الفرقة وعن صاحبها وعن عروضها؟! وهل هناك تلميذ واحد أقرّ واعترف بأنه كان تلميذاً عند «صنوع» وأنه تلقى العلم على يديه، كون صنوع مدرساً كما قال في مذكراته؟! وهل هناك أية إشارة من أي شخص أثبت فيها أنه جلس أو تحاور أو تناقش مع صنوع في أي موضوع؟!
هذه الأسئلة تحتاج إلى «إجابات» تعتمد على «الأدلة» و«الوثائق» المعاصرة لفترة وجود صنوع في مصر (1870 1879) بعيدة عن أقوال صنوع في مذكراته أو صحفه!! بمعنى نريد توثيقاً لما جاء في مذكرات صنوع بأدلة منشورة وموثقة ومعاصرة لما جاء في المذكرات كي نعتمدها ونصدقها!! لأن الثابت حتى الآن أن «جميع» الباحثين والمؤرخين والمسرحيين نقلوا مذكرات وكتابات صنوع عن نفسه، ونشروها في بحوثهم وكتاباتهم فانتشرت -في العالم- بوصفها حقائق منذ عام 1953 وحتى الآن!!
لم يبق إلا تحديد «الجهة الرسمية المسئولة» التي تتبنى هذه القضية، وتحسم أمر ريادة صنوع للمسرح!! والحقيقة أن هناك عدة جهات تصلح لهذه المهمة، أولها: «المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية» كونه الجهة المتخصصة في تراث المسرح وتوثيقه وتسجيله، ولها من الصلاحيات أن تختار وتستكتب المتخصصين في هذا المجال!! كذلك «أكاديمية الفنون» كونها الصرح الفني والعلمي الذي يضم المتخصصين في مجال المسرح وتاريخه!! وأيضاً «المجلس الأعلى للثقافة» بما يضمه من لجان متخصصة في المسرح والتاريخ!! أما «اتحاد الكتّاب» فيُعد جهة شاملة تضم كافة المتخصصين في المجالات التي ذكرها صنوع في مذكراته!! وكذلك «الجمعية التاريخية» و«اتحاد المؤرخين العرب»، ناهيك عن «أقسام التاريخ» بكليات الآداب. وأخيراً «أقسام المسرح» بكليات الآداب وكليات التربية النوعية .. إلخ، كل هذه الجهات يمكنها تبني هذا المؤتمر أو الندوة لوضع حد فاصل وحاسم لريادة المسرح في مصر وإعلان اسم الرائد!! فمن غير المعقول لمصر بمكانتها الفنية العظيمة أن تصبح حائرة، ولا تستطيع أن تحدد «علمياً وتاريخياً» من هو رائدها المسرحي: هل هو «يعقوب صنوع» عام 1870، أم «سليم خليل النقاش» عام 1876!!
هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال
