جمال بن ماجد الكندي
الحرب الأمريكية- الصهيونية على إيران تدخل شهرها الثاني، وسط توقعات وسيناريوهات مختلفة لدى الأطراف التي بدأت هذه الحرب، والتي كانت تراهن على تبسيط مسار النصر فيها، انطلاقًا من قراءتها لما اعتبرته نصرًا في فنزويلا؛ ذلك النصر الذي يتفاخر به الرئيس الأمريكي، مدّعيًا أنه حصل على النفط الفنزويلي واعتقل رئيسها المتشدد تجاه أطماع الولايات المتحدة في فنزويلا.
غير أن المشهد الفنزويلي، في الحقيقة، يظل ناقص الرؤية؛ فأمريكا، وبعد هذه المدة من عملية اختطاف الرئيس مادورو، لم تحقق ما كانت تتوقعه، وفق ما تذكره بعض وسائل الإعلام الأمريكية والعربية. وهذا "النصر الوهمي" انعكس سلبًا على حسابات الحرب في إيران، إذ اعتقد ترامب أن الحرب ستكون خاطفة وسريعة، تستهدف الرؤوس الحامية في إيران، لينتهي هذا البلد الذي يمتد تاريخه إلى آلاف السنين في الحضن الصهيو-أمريكي في المنطقة.
فماذا حدث بعد حرب كان المخطط لها أمريكيًا وصهيونيًا أن تستمر أربعة أيام فقط، يتحقق خلالها الحلم الأمريكي-الصهيوني بتغيير واقع الشرق الأوسط، والقضاء على العقبة الوحيدة التي تعيق إعادة تشكيل هذا الشرق وفق خريطة صهيو-أمريكية؟
في هذا المقال سنناقش هذا الأمر من عدة زوايا بعد شهر كامل من القتال، حيث سنتناول المشهد من جانبي الصراع، عبر الأبعاد: العسكرية، والسياسية، والاقتصادية والاستراتيجية، والتحالفية.
البُعد العسكري:
كانت التوقعات أن تستخدم إيران صواريخها الباليستية والنوعية، لكن في ظل افتراض غياب قيادة تسيطر على زمام الأمور، كان يُتوقع أن تتبدد هذه الصواريخ وألا تحقق هدفها الاستراتيجي المنشود؛ إذ إن السيناريو الذي بُنيت عليه الحرب كان يقوم على حدوث فراغ سياسي وعسكري بعد استهداف القادة السياسيين والعسكريين من الصف الأول في الضربة الأولى.
غير أن ما حدث غيّر كل شيء؛ ففي غضون ساعتين فقط بدأت الصواريخ الإيرانية تضرب الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة، وكانت هذه هي المفاجأة الكبرى التي غيّرت مجرى المشهد العسكري، وأسست لبعد عسكري جديد مفاده الضرب بالمثل. فمنذ اليوم الأول، وحتى كتابة هذا المقال، شهدنا تدرجًا استراتيجيًا في طريقة الضرب، وتكوّنت استراتيجية ثابتة تمثلت في مبدأ: تضرب أضرب، وتستهدف البنية الاقتصادية فأستهدف البنية الاقتصادية في إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة.
وقد كان هذا الأمر واضحًا، وتم نقله بالصوت والصورة، بل تجاوز ذلك إلى استهداف البنية النووية في إسرائيل بعد القصف الإسرائيلي للمواقع النووية الإيرانية، وهو أمر بالغ الخطورة بالنسبة لكلا الجانبين، لذلك أدرك الطرفان حساسية هذا المسار وخطورته.
لقد أثبت الجانب العسكري الإيراني أنه أُعدّ له إعدادًا جيدًا، ويتجلى ذلك في حجم الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت إسرائيل والقواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. كما أن الجرأة في الضرب، إلى جانب مستوى الدقة في التنفيذ، شكّلا عامل الإرباك الرئيسي للجانب الأمريكي، وكانا عنصر المفاجأة الأبرز في هذه الحرب.
وبذلك يمكن القول إن الضربة الأولى فشلت في شلّ القرار العسكري الإيراني، فتحولت الحرب من مشروع حسم خاطف إلى معادلة ردع متبادل، بات فيها كل استهداف يقابله رد مماثل، وكل ضربة تفتح باب ضربة مضادة، بما أعاد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. لذلك فإن الهدف الأمريكي لهذه الحرب لم يتحقق هو الحرب الخاطفة السريعة، بالمقابل إيران حققت ما رسمت له حرب الاستنزاف.
البُعد السياسي:
عندما نتحدث عن هذا البعد، فإن أول ما ينبغي أن نسأل أنفسنا عنه هو: هل هذه الحرب قانونية؟ وهل تحظى بإجماع المجتمع الدولي؟ وهل خاضت الولايات المتحدة هذه الحرب تحت غطاء دولي واضح؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تتضح من واقع الموقف الدولي، الذي يميل في مجمله إلى رفض استمرار هذه الحرب، ويدعو إلى إنهائها عبر المسارات الدبلوماسية والسياسية. فالغطاء السياسي لها يبدو محدودًا للغاية، ويكاد ينحصر في الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين أن غالبية القوى الدولية والإقليمية تدعو إلى وقف التصعيد.
حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبعد مرور شهر على اندلاع الحرب، تصاعدت الأصوات الرافضة لاستمرارها، مع تزايد القلق من كلفتها السياسية والاقتصادية، وهو ما انعكس على تراجع التأييد الشعبي لها. أما على المستوى الدولي، فقد دعت دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب عدد من القوى الإقليمية، إلى إنهاء الحرب والعودة إلى الحلول الدبلوماسية. كما شدد وزراء خارجية مجموعة السبع على ضرورة وقف الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية، واحتواء تداعيات الحرب على المنطقة والعالم؛ بل إن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وعلى الرغم من تعرض القواعد الأمريكية في بلدانهم للقصف، دعوا أيضًا إلى إنهاء الحرب والسير عبر الطرق الدبلوماسية لحل هذه الأزمة التي فجرتها الولايات المتحدة وإسرائيل بذريعة البرنامج النووي الإيراني، في وقت تتزايد فيه المخاوف الإقليمية من اتساع رقعة الحرب وتهديد أمن الطاقة والملاحة في المنطقة.
ومن هنا، فإن هذا البعد السياسي يعزز الموقف الإيراني نسبيًا على المستوى الدولي، بوصفه الطرف الذي تعرض للهجوم أولًا، الأمر الذي أكسبه مساحة من التعاطف السياسي والدبلوماسي، ورفع من وتيرة الدعوات الدولية إلى وقف الحرب قبل أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
البُعد الاقتصادي:
أهم بُعد اقتصادي في هذه الحرب بات معروفًا، وهو جنرال لم تستطع أمريكا وإسرائيل اغتياله، بل على العكس كانت تحاول الحدّ من قوته عبر التصريحات الترامبية -إن صح التعبير- كلما ازداد حضوره في الساحة الاقتصادية؛ إنه جنرال برميل النفط، الذي منذ بدء هذه الحرب يسيطر على المشهد الاقتصادي، ويشكّل سلاحًا قويًا في مواجهة الولايات المتحدة، بل قد يكون هو السلاح الذي سيحسم المعركة ويدفع نحو إنهائها.
الرئيس الأمريكي يحاول، من وقت إلى آخر، السيطرة على هذا الجنرال العنيد عبر تصريحات متناقضة عن الحرب، تارةً بأنها ستنتهي قريبًا، وأن المسألة لا تتجاوز أيامًا أو أسابيع، وتارةً أخرى بالحديث عن أن الجيش الأمريكي قضى على نسبة كبيرة من القدرات الصاروخية الإيرانية. غير أن الواقع الميداني سرعان ما يفنّد هذه التصريحات؛ فبعد كل تصريح من هذا النوع، تعود إيران إلى قصف إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة بالصواريخ، فيرتفع "جنرال.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
