اعتمدت إدارة ترامب خيار القوة العسكرية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي بعد فشل المسار الدبلوماسي، وهو خيار محفوف بالمخاطر كما يرى النقاد، لكن التجربة الأميركية مع كوريا الشمالية تُظهر أن البدائل يمكن أن تكون أسوأ، كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.
من الجدير استذكار هذا التاريخ اليوم لإظهار حدود الدبلوماسية النووية مع خصم مصمم، وكذلك ما يحدث عندما تُفضِّل الولايات المتحدة تجنّب الصراع على كل شيء.
تاريخ الخلاف
في عام 1984 حذّرت وكالة المخابرات المركزية من أن كوريا الشمالية قد تسعى للحصول على البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة. وتحت ضغوط دولية، انضمّ الرئيس كيم إيل سونغ إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في العام التالي، فاعتُبر ذلك مؤشراً على نوايا بيونغ يانغ السلمية، رغم تأخرها في اعتماد إجراءات الضمانات النووية.
واصلت كوريا الشمالية تطوير برنامجها النووي. ففي عام 1993، منعت المفتشين من دخول مواقع نووية مموهة، تاركةً العالم يتساءل عما إذا كانت قد فصلت البلوتونيوم لصنع القنابل. وأمام هذه الأسئلة، أعلنت بيونغ يانغ انسحابها من المعاهدة.
وتمكنت إدارة كلينتون من إقناع كيم جونغ أون بالتراجع لفترة، لكن بيونغ يانغ دخلت في خلاف مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي عام 1994 قامت بتفريغ قضبان الوقود المستهلك من مفاعل يونغبيون دون رقابة الوكالة. هل سيُعاد معالجة هذا الوقود لاحقاً لإنتاج بلوتونيوم صالح لصنع القنابل؟ لم يكن أحد يعلم.
هدد بيل كلينتون بفرض عقوبات، ووضع الجيش الأميركي خططاً لشن ضربات على المنشآت النووية، وقدم وزير الدفاع بيل بيري خطة لتعزيز عسكري كبير في المنطقة. ألغى كلينتون المحادثات ونشر أنظمة باتريوت للدفاع الصاروخي في كوريا الجنوبية. أيد جون ماكين استخدام القوة من جانب مجلس الشيوخ، وكان البيت الأبيض يميل نحو الخيارات العسكرية.
اتفاق
ثم جاء دور جيمي كارتر. أبلغ الرئيس السابق إدارة كلينتون بنيته قبول عرض سابق من الكوريين الشماليين لزيارة البلاد ومحاولة تهدئة الوضع. قرر كلينتون السماح لكارتر بالمضي قدمًا بصفته مواطنًا عاديًا، ظنًا منه أن ذلك قد يمنح كيم فرصة للتراجع. لكن كلينتون وجد نفسه محاصراً سياسياً.
وكان كارتر يخشى الصراع فوق كل شيء، بل وعارض العقوبات. تجاوز كارتر ما خوله كلينتون مناقشته، وأعلن عن اتفاق مبدئي مع كيم على قناة سي إن إن.
تم استبعاد الخيارات العسكرية، وتبنى كلينتون الاتفاق، الذي أصبح إطار الاتفاق لعام 1994. وافقت كوريا الشمالية على تجميد أنشطتها النووية غير المشروعة، والسماح في نهاية المطاف بعمليات تفتيش كاملة، مقابل حزمة بمليارات الدولارات من الطاقة النووية المدنية والنفط.
وتجاهلت الولايات المتحدة مسألة امتلاك كوريا الشمالية كمية من البلوتونيوم تكفي لصنع قنبلة، وتغاضت عن انتهاكاتها لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ورأى البعض أن النظام سيلين مع مرور الوقت من خلال الانخراط الاقتصادي. فضلاً عن ذلك، من كان يرغب في حرب كورية أخرى؟
لفترة من الزمن، بدا الاتفاق ناجحاً. إلا أنه في عام 1996، زار العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان بيونغ يانغ للمساعدة في تخصيب اليورانيوم، وهو مسار بديل لصنع قنبلة كانت كوريا الشمالية تسعى إليه سراً. واستمرت أبحاث التسلح سراً. ولم يتغير عزم النظام على صنع قنبلة.
في عام 2002، واجهت إدارة جورج دبليو بوش كوريا الشمالية بشأن برنامجها للتخصيب، ونكثت بيونغ يانغ ببنود الاتفاق الإطاري. وقام كيم جونغ إيل، نجل كيم إيل سونغ، بطرد المفتشين، وانسحب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، واستأنف العمل على البلوتونيوم.
استخدم بوش التهديدات والعقوبات والدبلوماسية، لكنه استبعد في نهاية المطاف استخدام القوة. ضاعفت كوريا الشمالية مخزونها من البلوتونيوم 4 مرات، وأجرت أول تجربة نووية لها عام 2006.
خيار خطير
بعد ذلك، أصبحت الخيارات العسكرية الأميركية أكثر خطورة. واصلت كوريا الشمالية مسيرتها. ويُعتقد الآن أنها تمتلك نحو 50 رأساً حربياً، وتجري تجارب صواريخ عابرة للقارات قد تصل في يوم من الأيام إلى الأراضي الأميركية. وجاءت أحدث تجربة صاروخية يوم الأحد.
الدرس المستفاد هو أن الرؤساء الأميركيين انتظروا طويلاً لوقف كوريا الشمالية. قيل دائماً إن مخاطر الحرب عالية، ولم يكن الوقت مناسباً، وكان هناك دائماً خيار دبلوماسي آخر يجب استنفاده. أصبحت كوريا الشمالية الآن قوة نووية، مما يجعلها قادرة على التصعيد إلى عواقب وخيمة في أي صراع.
هذا هو المسار الذي سلكه أربعة رؤساء على الأقل مع إيران. كانت المحادثات والاتفاقات والإغاثة الاقتصادية مستمرة، مع استخدام العقوبات كتكتيك تفاوضي دون تهديد حقيقي باستخدام القوة. على غرار بيونغ يانغ، وافقت طهران على اتفاق لم يُلزِمها بالكشف عن أنشطتها النووية السابقة، وحافظت على بنيتها التحتية النووية للمستقبل. ولم يتوقف النظام الإيراني عن السعي لامتلاك القنبلة.
جرأة ترامب
قرّر ترامب أن يواجه البرنامج النووي الإيراني بخطوة جسورة، وأشار إلى السماح لإسرائيل بالتصعيد خلال حرب يونيو التي استمرت 12 يوماً.
تشابه التحدي الإيراني مع الكوري الشمالي في قدرته على الردع عبر ترسانة صاروخية ومدفعية، وهو ما أدى إلى معادلة تمنع أي تحرك أميركي حاسم دون تفكيك هذه الردود.
كما تشمل الأهداف مخزونات إيران المدفونة من المواد الانشطارية وموقعها الإنشائي أسفل جبل بيك آكس، حيث يأمل لاحقاً في تخصيب هذه المواد. قد يمكن مراقبة المخزونات المدفونة، لكن إنهاء الحرب من دون بقاء الإنشائي سليماً سيكون خطأً.
لا نعرف كيف ستنتهي المواجهة الإيرانية الراهنة، لكننا على يقين من أن النظام الإيراني المتطرف لن يمتلك برنامجاً نووياً عند انتهاء الصراع. وهذا ما يجعل العالم مكاناً أكثر أماناً.
هذا المحتوى مقدم من عصب العالم
