هل إيران أم القرى

هناك مقولة أشبه بالمسلمة يتداولها جُلّ الكتّاب والإعلاميين والمفكرين الذين ينسبون أنفسهم إلى ما يسمى بـ (محور الممانعة) ومفادها: أنه إذا هُزمت إيران فهذا يعني نهاية كل دول المنطقة العربية والإسلامية، وهذه المقولة تتردد على مسامعنا وفي مقالاتهم من قديم وليست وليدة هذه الأزمة على وجه الخصوص.

وكنت حتى عهد قريب أتعجب أشد العجب من تكرارها على ألسنتهم، رُغم اختلاف مشاربهم الأيدلوجية، حتى صحّ لي أن أتمثل فيهم بالآية الكريمة: (أَتَواصَوا به)، وقد نتفهّم هذه الفكرة حين تصدر من كتاب لديهم التوجه الأيدلوجي الإيراني نفسه ممن ينتسبون عسكريا أو فكريا للميليشيات التابعة لإيران في دول المنطقة، ولكن ما يثير الدهشة والعجب، هو ترديدها من تيارات قومية وناصرية، ويسارية وجماعات وأحزاب حركية إسلامية لا علاقة لها بالتشيع أو فكرة تصدير الثورة!

كان السؤال الملحّ بشدة، هو من أين تسربت هذه المسلّمة، حتى تقبّلها هؤلاء، ثم لماذا لا تكون فعلا مسلمة صحيحة، أم أنه لدينا انحياز تأكيدي ضدها؟ ولماذا لا تكون إيران بهذه الأهمية المحورية في حماية دول المنطقة، ويكون في سقوطها وانهيارها بداية خراب مالطا!

وأكاد أجزم الآن أن الجواب الذي يفسر قبول وترديد هذه العبارة والإيمان بها، هو في المذهب الذي طرحه محمد جواد لاريجاني عام 1990م في كتابه: مقولات في السياسة الوطنية، الذي سماه المؤلف «مذهب أم القرى»، والذي يتداول تحت مسمى نظرية أم القرى، (المؤلف لا يفضل تسميتها نظرية بل مذهب). وهو كتاب صدر بعد الحرب العراقية الإيرانية ليناسب المرحلة الجديدة، والتغيرات الجيوسياسية والانتقال لمرحلة أكثر برجماتية في السياسة الإيرانية، لتحل هذه النظرية أو المذهب محل فكرة تصدير الثورة.

يقوم هذا المذهب على افتراضات طرحها لاريجاني في الآتي: أن العالم الإسلامي أمة واحدة، ومالك وحدة الأمة هو قيادتها، التي يمثلها «ولاية الفقيه» التي طبقها عمليا الإمام الخميني، فبدلًا من العصمة والعلم اللدني للنبي والأئمة، يمتلك الولي الفقيه العدالة والعلم الفقهي؛ لذا فهو خليفة الزمان. ومقام «الولاية» لا يقتصر على الحدود الجغرافية؛ فحالما يتحقق في منطقة ما من العالم الإسلامي، تتحدد فيه قيادة العالم الإسلامي بأكمله، وتكون الأمة الإسلامية مكلَّفة شرعًا بطاعته، وتصبح هذه المنطقة هي «أم القرى» حيث يطبق الإسلام الصحيح، وعليه فإن حفظ «أم القرى» فريضة على الأمة جمعاء، ويتقدم حفظها على أي أمر آخر (مقولات في الإستراتيجية الوطنية، لاريجاني، ص:13). ويقول: «إن الموقع الإستراتيجي، أو عدد السكان، أو العرق، وما إلى ذلك، ليست ذات أهمية لتُصبح «أم القرى»، فالمعيار الأساسي هو الولاية والقيادة». (استكشافات نظرية في السياسة الخارجية، لاريجاني، ص:47).

ويرى الباحث الإيراني في الفكر السياسي داود فيرحي أن مذهب أم القرى قريب جدا من فكر وتصريحات الخميني نفسه الذي ينقل عنه قوله: إذا ما مُنيت إيران بالهزيمة، فلا تظنوا أنها هزيمة لإيران، بل هي هزيمة لجميع الشعوب المظلومة في العالم. (النظام السياسي والدولة في الإسلام، داود فيرحي، ص:265)، وهي بهذا المنطق امتداد لفكر الخميني ليس على مستوى التأصيل، بل حتى على مستوى الواقع السياسي.

وهنا نشير إلى أنّ عبارة «حفظ أم القرى فريضة على الأمة جمعاء، ويتقدم على أي أمر آخر»، هي نفسها التي يرددها كتاب محور الممانعة بعبارات مشابهة، عن وعي أو دون وعي استجابة لفرضيات ومسلمات هذا المذهب أو النظرية!

وبعيدا عن أي انحياز عاطفي أو مذهبي، سنحاول مراجعة هذا المذهب في مستويات متعددة، بغية اكتشاف تماسكها من حيث منطقها الداخلي، ومن حيث الواقع المشاهد الذي تمثله إيران والمتوجب عليها وفق هذا المذهب حفظ مصالح الأمة «فالبلد الذي يصبح «أم القرى»، يتعين على قيادته مراعاة مصالح الأمة بأسرها».

اللغة الاستعارية أم الاستعمارية

أم القرى مصطلح قرآني ورد في موضعين اثنين لوصف مكة المكرمة، وذكر المفسرون تعليلات مختلفة لهذا الاسم، ليس هذا مكان بسطها، (ذكر الطاهر بن عاشور في تفسيره أن العرب كانوا يسمونها أم القرى، ولم أجد ما يثبت ذلك).

هنا قام لاريجاني بتحويل «أم القرى» من مكة المكرمة إلى إيران، ليقترف استعارة خلطت بين الحقيقة والمجاز. فـ«الأم» في أصلها القرآني تعني المنشأ والمركز الحيوي الذي يُولد منه الوجود، وهي صفة انطبقت على مكة؛ لأنها مهبط الوحي وقطب الأرض الروحي. وحين يُنقل هذا الوصف إلى إيران، أو أي بلد آخر، يصبح المجاز مفتقرًا إلى الرابط المعنوي الجوهري: فلا ولاية إيران هي ولاية الرسالة، ولا ترابها ارتضاه الله قبلة للعالمين.

ومع أن الطرح السياسي قد ينظر إليه بمنأى عن اللغة وحمولاتها، لكنني أعتقد أن الخطاب اللغوي هو جزء أصيل من السياسة بل هو حاملها الحقيقي والترويجي، فكلمة «أم» في أصلها اللغوي الإنساني تحمل عمقًا أنثويًا أصيلًا، فهي العطاء بلا استئثار، (غير المشروط)، والأصل الذي لا يحتاج إلى تأسيس، والأمان النفسي والروحي والحقيقي، أما نقلها إلى إيران فجاء محمولًا على سلطة تنازِع غيرها، وتؤسس وجودها بقوة الادعاء لا بثقل المعنى. فالاستعارة هنا لم تعد تكشف عن حقيقة، بل صارت أداة لتوظيف قداسة النص في تغطية نزعة مركزية تخالف روح «الأمومة» التي لا تحتكر الوجود بل تحييه في غيره، والتي هي نبع الأمان والحنان الذي لا نجده في واقع إيران منذ تأسيسها وثورتها، لو أردنا محاكمتها للواقع الذي يقيس استجابته للنظرية!

إن بين مكة التي هي أم القرى بلا منازع، وإيران التي تريد أن تصير أمًا للقرى الإسلامية، تنفتح هوة هائلة، فالأولى مركز بالإجماع الديني والكوني، والثانية مركز بالقرار السياسي والاجتهاد الفقهي. فـ«الأم» في الاصطلاح القرآني أصالة تكوينية، لا مركزية يُجتهد لها. وحين يصبح المجاز مرادفًا للهيمنة، تتحول الاستعارة من أداة بيان إلى سلاح إقصاء، وتفقد «الأم» أمانها وتتحول إلى وصاية!

لفظة «أم القرى» في اللغة العربية ليست مجرد تركيب نحوي عابر، بل هي عقد لغوي يعقد قِرانًا بين مفهوم الأمومة ومفهوم المكان. الأم في الذاكرة الجمعية هي الحضن الأول، هي من تسبق وجودك فتوجدك، والقرى ليست مجرد تجمعات سكنية، بل هي امتدادات وجودية للأم، أطراف تنتمي إلى مركز، أغصان تعود إلى جذع. حين استعار لاريجاني هذا التركيب القرآني ليعيد توطينه في جغرافية إيران السياسية لم يفعل ذلك عبثا، بل وعي منه بدور اللغة في الشحن النفسي والاستمالة العاطفية، وهو بذلك يرتكب جنوحا لغويا مقصودا بفصله الدال عن مدلوله، والزجّ بهذا الدال المقتلع بمدلول جديد يتناقض مع روح اللغة.

إن اللغة ليست وعاءً محايدًا يمكن تعبئته بأي محتوى، بل هي كائن حي له ذاكرة، فحين نقول «أم»، تستيقظ في الذهن صور الرضاع والحنان والتضحية. وحين نقول «قرى»، نحس بالامتداد والتبعية الطبيعية، لاريجاني أراد للغة أن تنسى، وأن تمحو ذاكرتها وتتقبل هوية جديدة. لكن اللغة تأبى، فهي كالنخلة، تحتفظ بذاكرتها في جذورها مهما علت فروعها، أم القرى يقول القرآن عنها (أو لم نمكن لهم حرما آمنا)، ولكننا نتساءل هنا بعفوية طفل أين هذا الأمان مما تقوم به إيران في «القرى» من حولها، ما جعل مسؤولوها يصرحون أنهم يسيطرون على أربعة من عواصم هذه القرى/الدول! وهل يمكن لأم حقيقية أو مجازية أن تفعل كل ما فعلته «إيران» وميليشياتها في سوريا، من دمار وقتل للصغار والكبار، وعلى الهوية والانتماء، وكلها أحداث موثقة بالصوت والصورة؟ وقد يعترض معترض هنا أن الواقع لا علاقة له بالمذهب أو النظرية في مستواها الفكري، لكننا نقول من جهة أخرى إن المذهب الذي يرسمه لاريجاني هو الذي أباح لها ذلك، وأنتج هذا الواقع المتماهي مع النظرية والمتناقض معها في الوقت نفسه، فمن أجل حماية أم القرى/إيران، والحفاظ على الإسلام الصحيح، يحق لها فعل ذلك وأكثر، وهنا يأتي دور المجاز اللغوي ليخفف من وطأة هذا الواقع، ويمرر القبول بالمذهب. وترتبط السياسة واللغة رغم ما يبدو من بون شاسع بينهما.

الإسلام الصحيح والمقلد

يعتقد لاريجاني أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الثورة في زمن قيادة الإمام الخميني أو في الوقت الحاضر تحت سماحة آية الله الإمام خامنئي هي -دون شك- أم القرى دار الإسلام، (مقولات في الإستراتيجية الوطنية، لاريجاني، ص:10) وهذه الرؤية اليقينية مبناها أن إيران هي الدولة التي تطبق الإسلام الصحيح، وفقا لمبدأ الولي الفقيه، لذلك فهي بلا شك بتعبير لاريجاني دار الإسلام التي يجب على بقية الدول «القرى» أن تضحي من أجل سلامتها والمحافظة عليها.

هنا يبني لاريجاني نتيجة على مسلمة لا يقره عليها ملايين من المسلمين، وهذا نوع من الدوران في البرهان، أو المصادرة على المطلوب، وهذه المغالطة تحتاج براهين لا حصر لها للإقرار بها. لكن لاريجاني لا يقدم لهذه الرؤية برهانها، ولا جوابا حول من يحدد ما هو الإسلام الصحيح، ومن هي الدولة التي تمثل هذا الإسلام؟ وماذا عن الدول المسلمة الأخرى العربية وغير العربية؟ ما الذي يمنح إيران هذا الحق ويحرم غيرها؟ وماذا عن الطوائف والمذاهب الأخرى السنة وغيرهم الذين تجاهلتهم هذه العقيدة؟

وهذه الأسئلة المنطقية ليست من صنع شخص منحاز إلى الطرف الآخر، فقد تعرض هذا المذهب لهذه المساءلة من نقاد إيرانيين يؤمنون بولاية الفقيه، منهم الباحث الإيراني حسين خاني الذي أورد عددا من المآخذ على هذا المذهب من بينها: أن هذا المذهب لن يحظَ بقبول باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية والعراق؛ إذ إن لكلٍّ من هذه الدول تراثًا حضاريًّا وتاريخيًّا وإسلاميًّا تستند إليه في ادّعاءاتها الخاصة، ثم إنه أغفل مكوِّن «أهل السنّة»، وهم يفوقون الشيعة عددًا في البلدان الإسلامية، بل إنه لا يُعزّز حتى روح الولاء لدى العشائر الإيرانية السنيّة التي تقطن في المناطق الحدودية الممتدّة على أطراف إيران الطولية. ويقول لقد عجز العالم العربي، رغم ما يجمع أقطاره من روابط ثقافية ولغوية وتاريخية، عن تحقيق تنسيق دائم ومستدام وطويل الأمد فيما بينه. فكيف لإيران بذلك؟ (امت گرایی در سیاست خارجی جمهوری اسلامی ایران؛ تطبیق دکترین های «أم القری» و«تعامل فزاینده»، حسين خاني).

وقريبا من هذا النقد أورد باحثان إيرانيان آخران نقدا قاسيا مفاده أن هذه العقيدة فشلت فشلا ذريعا، إذ لا يوجد دول ترغب في الخضوع لوصاية دولة أخرى؛ لذلك، فإن هذه النظرية تسببت في التفرقة والتباعد بين دول العالم الإسلامي. (تحليل دکترین «أم القرى» في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، محمد رضا، وعلی ازغندی)

إن هذا المذهب ينظر إلى أن للإسلام نسخة أصلية، ونسخا مقلدة أو غير معتمدة، وينحاز بكل ثقله للنسخة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ ساعة
منذ 7 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 16 ساعة
قناة الإخبارية السعودية منذ 9 ساعات
صحيفة سبق منذ 3 ساعات
صحيفة سبق منذ 7 ساعات
صحيفة عاجل منذ 48 دقيقة
صحيفة سبق منذ 4 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ 9 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 4 ساعات