أمام تحول الفضاء الرقمي في هذا العصر إلى امتداد حقيقي للحياة اليومية للفرد لم تعد الأسئلة المتعلقة بالضمير الأخلاقي حبيسة الجدران أو محصورة في دائرة التفاعلات الواقعية المباشرة، بل تجاوزتها لتستقر بقوة داخل الشاشات؛ فبين “إعجاب” و”مشاركة”، وبين “ترند” صاعد وآخر هابط، تثار تساؤلات جدية حول مدى استجابة ما يستهلكه وما ينشره المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي للوازع الأخلاقي الذي طالما شكل جزءاً من النسيج القيمي للمجتمع المغربي.
في هذا الصدد، وبمناسبة “اليوم الدولي للضمير” الموافق 5 أبريل من كل سنة، الذي جعلت منه الأمم المتحدة مناسبة للدعوة إلى تعزيز المسؤولية الجماعية وتحفيز الناس على التأمل الأخلاقي والتصرف بوعي، يؤكد مهتمون أن المنصات الرقمية ساهمت في كسر الرقابة الاجتماعية التي كانت تضبط السلوك الإنساني في الفضاء الواقعي، مشددين على أهمية إرساء مقاربة شاملة تجمع بين التربية والتشريع والتأطير المجتمعي لإيقاظ “الضمير الرقمي” الذي أصبح ضرورة ملحة في زمن تحول أعراض الناس وآلامهم إلى سلعة، وأصبح جلب “اللايكات” غاية تبرر تجاوز كل الحدود.
ارتباك ووعي
الأستاذ الجامعي والخبير الرقمي أنس أبو الكلام قال إن “الفضاء الرقمي المغربي يعيش مفارقة لافتة، تتمثل في الاستعمال المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي والتسارع التقني غير المسبوق، يقابله شبه ارتباك أخلاقي متزايد؛ فبين سطوة ‘الترند’ ومنطق ‘اللايكات’ لدى شريحة مهمة من المجتمع تتراجع أحياناً قيم راسخة مثل احترام الخصوصية وصون الكرامة، لصالح ثقافة تقوم على الإثارة وجذب الانتباه بأي ثمن، بل وحتى التشهير في بعض الأحيان”.
وأضاف أبو الكلام أن “اختزال هذا الوضع في ‘انفلات أخلاقي’ فقط قد يكون تبسيطاً مخلّاً، فالمشكل أعمق، ويرتبط أساساً ببنية المجتمع ذاته، وبالتفاوتات القائمة، وعلى رأسها إشكالية الأمية التي مازالت تؤثر على شريحة واسعة من المغاربة؛ فمن الصعب الحديث عن تربية رقمية فعالة في بيئة لم تُحسم فيها بعد تحديات القراءة والكتابة، ناهيك عن تنمية التفكير النقدي”.
وأوضح المصرح لهسبريس أن “الانتقال إلى مواطنة رقمية واعية يمر حتماً عبر تعزيز التوعية في الأسرة أولاً، ثم التعليم بدءاً من الأساسي، لأن من لا يمتلك أدوات الفهم الأولية يكون أكثر عرضة للتضليل والانجرار وراء المحتوى الهابط”، وزاد: “في هذا السياق يطرح سؤال القوانين الزجرية نفسه بإلحاح، فصحيح أن التشريعات ضرورية لردع السلوكات الخطيرة، مثل التشهير أو انتهاك الحياة الخاصة، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تستند إلى دراسات سوسيولوجية عميقة تنطلق من خصوصية المجتمع المغربي، ذلك أن استنساخ قوانين من تجارب أجنبية، دون تكييفها مع السياق المحلي، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أو إلى فجوة بين النص القانوني والممارسة اليومية”.
وشدد الخبير نفسه على أن “الرهان الحقيقي يتجاوز القانون، ليمسّ جوهر التربية؛ وهنا يبرز دور الثلاثي: المدرسة – الأسرة – الفضاء المجتمعي/الإعلامي، مع ضرورة وضع الطفل في قلب هذه المنظومة، إذ إن أطفال اليوم وُلدوا داخل البيئة الرقمية، ولم يكتسبوها لاحقاً كما حدث مع الأجيال السابقة؛ لذلك فإن منطق المنع المطلق أو ‘الحظر’ لم يعد واقعياً ولا مجدياً، والبديل هو الاستعمال الموجَّه والمراقَب، الذي يوازن بين إتاحة الفرص وتقليل المخاطر”.
وذكر أبو الكلام أن “بناء فضاء رقمي سليم لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الردع، ولا عبر الخطاب الأخلاقي المجرد، بل من خلال استثمار طويل الأمد في الإنسان: تعليماً، وتوعيةً، وتأطيراً؛ إذ نحن بحاجة إلى جيل لا يكتفي باستهلاك المحتوى، بل يفهمه، ويقيّمه، ويختار التفاعل معه بوعي”، خاتما: “في هذا السياق يبقى التحدي الحقيقي ليس كبح الانفلات بقدر ما هو إيقاظ الضمير، أي ضمير رقمي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
