بعد نحو شهر من تعطيل المرور في «مضيق هرمز» وما تبعه من ارتفاع أسعار الطاقة، بات «باب المندب» الرئة الملاحية الدولية الثانية لاقتصاديات العالم على أعتاب أزمة غير مسبوقة، بعد تهديد إيراني صريح بتعطيله وافتعال أزمة جديدة للاقتصاد العالمي.
تلك التهديدات، يعتقد خبراء اقتصاد وطاقة واستراتيجيات، في حديث لـ«إرم بزنس»، أنها إنذار مبكر باختناق اقتصادي حقيقي ومضاعف في ظل تعطل شبه كلي لـ«مضيق هرمز»، مما يترتب عليه ارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار، وركود تضخمي جراء ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
وفي 5 أبريل، هدد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد المختفي مجتبى خامنئي، في تدوينة عبر منصة إكس، بتعطيل باب المندب كما حدث لهرمز، لافتاً إلى أنه قريباً ستدرك واشنطن أن تدفق الطاقة والتجارة العالمية يمكن تعطيله بإشارة واحدة.
و«باب المندب» ممر بحري استراتيجي يمثل أحد أضلاع مثلث المعابر الاستراتيجية لنقل الطاقة والغذاء بعد «مضيق هرمز» وقناة السويس، ويقع بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وإريتريا في إفريقيا، ويتوسط القارات الخمس، وينظر له كرئة ثانية ملاحية لاقتصاد العالم بغد غلق «هرمز» في 2 مارس الماضي من جانب طهران.
من البلاستيك إلى الغذاء.. إغلاق هرمز يُشعل موجة تضخم عالمية
باب المندب.. شريان رئيسي للتجارة الدولية
ويرى عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات، وضاح الطه، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن مضيق باب المندب يعد الممر المائي الحيوي للوصول من البحر الأحمر إلى خليج عدن ومن ثم إلى المحيط الهندي، وتمر عبره ما يقارب 9% من الناقلات العالمية، بما يعادل حوالي 21 ألف إلى 25 ألف ناقلة وباخرة سنوياً، مما يجعله شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية.
وأوضح أن «أي محاولة إيرانية للتدخل أو إغلاق هذا المنفذ ستكون عبر ذراعها ميليشيا الحوثي في اليمن، التي سبق وأن هددت وضربت بواخر تمر عبر المضيق، مما اضطر العديد من البواخر إلى تغيير مساراتها سابقاً».
وأكد أن محاولة إغلاق المضيق تُعد عملاً غير مشروع من الناحية القانونية، وتصادماً صارخاً مع معاهدة الأمم المتحدة لعام 1982، والتي تم تفعيلها والعمل بها عام 1994. ويتنافى كلياً مع أبسط القواعد الواردة في الاتفاقية، سواء ما يتعلق منها بالمرور البريء أو العابر مما قد يضع إيران في مواجهة مشكلات قانونية تؤدي مستقبلاً إلى دفع غرامات مالية كبيرة.
وتوقع تدخلاً دولياً سريعاً وحاسماً في حال المساس بالمضيق أسرع من هرمز، نظراً لوجود قواعد وقوى دولية وأوروبية موجودة بالفعل في منطقة القرن الإفريقي، خاصة والمضيق لا يقتصر على ناقلات النفط والغاز فحسب، بل مختلف أنواع السلع المتبادلة بين آسيا وأوروبا وبالعكس، وما سيتبعه من خنق لعدد من دول العالم اقتصادياً.
ولفت إلى أن إيران بعيدة جداً جغرافياً عن المضيق، وليس لها أي مياه إقليمية أو مناطق اقتصادية فيه، وما تفعله هو جزء من العدوان الإيراني السافر على المنطقة بحجج واهية وغير مقبولة، تشبه تلك التي ساقتها عند عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، محذراً من لجوء المليشيات الحوثية لمقامرة ستعود بالسلب على الاقتصاد اليمني المتدهور وليس اقتصاديات العالم فقط.
ناقلة النفط «سونيون» بعد استهدافها من الحوثيين في البحر الأحمر شمال غربي مدينة الحديدة اليمنية يوم 29 أغسطس 2024.
باب المندب.. 12% من التجارة العالمية في خطر
ويتفق معه صادق الركابي، مدير المركز العالمي للدراسات التنموية في المملكة المتحدة، قائلاً لـ«إرم بزنس»، إن «مضيق باب المندب» يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، ويمثل حلقة وصل حيوية في سلاسل الإمداد العالمية، وتضاعفت أهميته عقب أزمة إغلاق «مضيق هرمز».
وأوضح الركابي أن أكثر من 12% من إجمالي التجارة العالمية السنوية تمر عبر باب المندب، بالإضافة إلى ما يقارب 7 ملايين برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مما يجعله شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي وحلقة وصل حقيقية بين الشرق والغرب.
وحذر الركابي من أن أي إغلاق أو عرقلة للملاحة عبر «باب المندب» ستضع الاقتصاد العالمي تحت ضغط هائل، وسيؤدي إلى اختناق حقيقي في حركة التجارة والطاقة على مستوى العالم، وستضطر السفن معه في هذه الحالة للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما سيزيد من زمن الرحلة البحرية بنحو 15 يوما في المتوسط، وقد تصل في بعض الحالات إلى 20 يوما تبعا لظروف الشحن والطقس، مما يعني زيادة في المسافة بنحو 40%.
وأضاف أن هذا التأخير، تزامناً مع أزمة «مضيق هرمز» وارتفاع أسعار الطاقة، سيؤدي إلى تضاعف تكاليف الشحن وبوليصات التأمين بشكل غير مسبوق، وهو ما سينعكس سلباً على أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والأسمدة والمواد الخام اللازمة للصناعات الدوائية.
إغلاق مضيقين معاً.. كارثة اقتصادية
وفيما يخص قطاع الطاقة، لفت الركابي إلى أنه في حال إغلاق «باب المندب»، سيؤدي ذلك إلى نقص حاد في المعروض العالمي، وبينما تتحدث وكالة الطاقة الدولية عن نقص حالي يقارب 11 مليون برميل يومياً، قد يقفز هذا الرقم بعد الإغلاق إلى 18 مليون برميل، ما قد يدفع أسعار النفط لتجاوز حاجز الـ 180 دولاراً للبرميل، وصولاً إلى 200 دولار في حال استمرار الأزمة وغلق المضيقين و«هذه كارثة اقتصادية».
ولفت إلى أن هذا الإغلاق لا يحدث اضطراباً جزئياً، بل عن توقف لأهم شرايين تدفق الطاقة والتجارة، مما سينقل الاقتصاد العالمي، إلى مرحلة خطيرة من الركود التضخمي، لأن ارتفاع الأسعار سيؤدي لتباطؤ النمو، وانكماش اقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة عالمياً، وتآكل الطلب على الطاقة وسيحد من قدرة الدول على سداد ديونها أو شراء احتياجاتها الأساسية.
وتوقع أن تؤدي هذه الصدمة إلى إعادة هيكلة خريطة الطاقة العالمية، وتسريع الاستثمار في الطاقة البديلة، وتغيير أنماط الاستهلاك والإنتاج العالمي.
«ميرسك» تتجنب الملاحة في البحر الأحمر مؤقتاً لـ«قيود غير متوقعة»
باب المندب.. هل يلقى مصير هرمز؟
ويعتقد الخبير العسكري الاستراتيجي، نائب رئيس الأركان الأردني الأسبق الفريق متقاعد قاصد محمود، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن مضيق باب المندب يمثل أهمية للتجارة العالمية تفوق التوقعات، وزادت قيمته الاستراتيجية خلال حرب غزة مع فرض الحوثيين حصاراً عليه باعتبار أن اليمن يسيطر جغرافياً على نصف المضيق.
وحذر محمود من تحول «باب المندب» إلى ورقة ضغط استراتيجية كبرى على الاقتصاد العالمي، لافتا إلى أن تلك التهديدات بمثابة إنذار مبكر للعالم بأن باب المندب قد يلقى مصير «مضيق هرمز».
ووفق تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عقب أسبوع من إغلاق هرمز، فإن حركة المرور انخفضت بنسبة 97% في 7 مارس الماضي مقارنة بمتوسط فبراير، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل والشحن والتأمين وهو ما انعكس على تكاليف الغذاء وفاقم ضغوط المعيشة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

