ملخص يصعب تخيّل علاقة ودية وتكاملية واستراتيجية بين أميركا وإيران في ظل الحرب الحالية، لكن القرن الـ20 حافل بالكثير، إذ ارتبطت الدولتان بعلاقة ود قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها
تشهد علاقات الدول تقارباً وتباعداً، تصالحاً وخصومة، تكاملاً للمصالح وتنافراً، صداقة وأخوة ومودة وكذلك عداوة وبغضاء وكراهية. الأسباب لا تنضب، والعلاقات لا تسير في خطوط مستقيمة، أما أن ترتبط دولتان بشد فيه كثير من التهديد بالحرب، وجذب لا يخلو من تلويح بالصراع، وذلك من دون كلل أو ملل على مدى سبعة عقود، فهذا أمر فريد يقتصر على أميركا وإيران. حتى كوريا الشمالية، أو كوبا أو فنزويلا، أو الاتحاد السوفياتي قبل انهيار الشيوعية وتفتته إلى جمهوريات "ديمقراطية"، لا تحظى بمثل هذه العلاقة الفريدة مع الولايات المتحدة الأميركية.
وعلى رغم تفرد هذه العلاقة الشعواء الشنعاء منذ أواخر السبعينيات، فإنها لم تسر على خطوط مستقيمة من العداء والجمود، أو التقارب والهدوء، بل شهدت تغيرات بتغير الرؤساء، وتقلبات بتقلب الإدارات، هي من أكثر العلاقات تفرداً وغرابة وتعقيداً في التاريخ المعاصر، وربما القديم.
يصعب تخيّل علاقة ودية وتكاملية واستراتيجية بين أميركا وإيران في أثناء متابعة الصراع الدائر بين أميركا وإيران، وتطوره إلى الحرب الحالية المتمددة في الشرق الأوسط، لكن القرن الـ20 حافل بكثير، ارتبطت الدولتان بعلاقة ود قبل الحرب العالمية الثانية، إذ اعتبرت إيران أميركا "قوة ثالثة" مطلوبة لموازنة الهيمنة البريطانية والروسية في منتصف عشرينيات القرن الماضي.
وكان رضا شاه قد أعلن نفسه ملكاً ومؤسساً للدولة البهلوية في إيران في ديسمبر (كانون الأول) عام 1925، منهياً بذلك حكم سلالة القاجار، وهي الأسرة الحاكمة التركمانية التي حكمت إيران بين عامي 1794 و1925. تدرج في الصعود إلى الحكم بعد انقلاب عسكري في فبراير (شباط) عام 1921، واستمر في تعزيز قوته، وحظي بمساندة بريطانيا، إلى أن توّج نفسه ملكاً في 1925، وتبنى لقب "بهلوي".
تركز مشروعه على بناء دولة قوية، من دون تدخلات أجنبية، لا سيما بريطانيا، وعلى رغم النجاح الذي حققه في هذا الشأن، فإن صناعة النفط في منطقة الخليج ظلت في أيدي البريطانيين. وتوترت العلاقة، وانتهت بغزو كل من بريطانيا والاتحاد السوفياتي إيران عام 1941، وذلك بهدف فتح خط إمدادات النفط إلى روسيا. وعادت إيران في قبضة قوى خارجية، وأجبر رضا شاه على التخلي عن الحكم، لا سيما في ظل علاقته بدول المحور، ونفي إلى جنوب أفريقيا حيث توفي في عام 1944.
بهلوي وروزفلت تولى ابن رضا شاه، محمد رضا بهلوي، الحكم في سبتمبر (أيلول) عام 1941، وظلّ في منصبه حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979، وهي الأعوام التي تقول كثيراً عن تعامل الرؤساء والإدارات الأميركية المختلفة مع إيران.
في تلك الحقبة المشتعلة بالأحداث، وعلى رأسها الحرب العالمية الثانية، كانت المحطة الأبرز في علاقة الرئيس الأميركي (الديمقراطي) فرانكلين روزفلت (1933 - 1945) مؤتمر طهران الذي حضره ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشيل ورئيس وزراء الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين، وذلك لوضع استراتيجيات الحرب العالمية الثانية، وجرى الترويج لإيران مشروعاً رائداً للتنمية، وضمان أولوية إبقاء إيران كطريق حيوي لـ"الحلفاء" للإمداد ليصل إلى الاتحاد السوفياتي، والإبقاء عليها بعيداً من نفوذ دول "المحور"، فيما عرف بـ"الممر الفارسي"، وذلك بحسب الوثائق التاريخية في "مكتب المؤرخ" التابع لوزارة الخارجية الأميركية.
وتعامل الرئيس هاري ترومان (الديمقراطي) (1945 - 1953) مع إيران باعتبارها حجر الزاوية في الاستراتيجيات الأولى للحرب الباردة. دعم "السيادة الإيرانية" لمواجهة التوسع السوفياتي، بما في ذلك الضغط على السوفيات لسحب قواتهم من إيران عام 1946، كذلك تدخلت الإدارة الأميركية لإدارة الخلاف على النفط والمميزات بين بريطانيا وإيران، وعام 1949 استقبل ترومان الشاه في المكتب البيضاوي.
أيزنهاور وإطاحة مصدق وفي تحول لافت للسياسة الأميركية تجاه إيران، أذن الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور (الجمهوري) (1953 - 1961) لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي) بتدبير انقلاب عسكري في طهران أدى إلى إطاحة رئيس الوزراء محمد مصدق وحكومته عام 1953، وهو ما أثر كثيراً في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدين، ومنها ما بقي أثره حتى اليوم.
ويشار إلى أن صراعاً سياسياً مكتوماً نشب بين الشاه و"الشخصية الوطنية" محمد مصدق في أوائل الخمسينيات، لا سيما بعد ما صدّق البرلمان الإيراني على مشروع قانون يؤمم الثروة النفطية الإيرانية التي كانت تسيطر عليها بريطانيا. عامان من التوتر بين الرجلين، وإجبار على تعيين مصدق رئيساً للوزراء، ثم محاولة الشاه إقالة مصدق، نجم عنها نجاح أنصار مصدق في دفع الشاه لمغادرة البلاد، لكن ما هي إلا أيام، حتى عاد الشاه بدعم "سري" من كل من بريطانيا وأميركا.
ويشير جزء حذف في أعوام سابقة من أرشيف وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لكن نشر عام 2103 تحت عنوان "معركة إيران"، أنه "جرى تنفيذ الانقلاب العسكري الذي أطاح مصدق وحكومة الجبهة الوطنية بتوجيه من الـ(سي آي أي)، كجزء من السياسة الخارجية الأميركية، وأنه جرى التخطيط له والموافقة عليه على أعلى مستويات الحكومة".
نشرت هذه الوثائق في "أرشيف الأمن القومي" (معهد بحثي غير حكومي مقره جامعة جورج واشنطن). وكانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة الراحلة مادلين أولبرايت قد أشارت صراحة في عام 2000 إلى الدور الأميركي في هذا "الانقلاب"، وهو ما كرره الرئيس السابق باراك أوباما عام 2009، وذلك على رغم عقود من النفي الرسمي الأميركي لأي ضلوع في هذا الانقلاب.
يشار أيضاً إلى أن حفيد الرئيس أيزنهاور، كيرميت روزفلت، أدى دوراً مهماً في هذا الانقلاب. كان مدير وحدة الشرق الأوسط في "سي آي أي" عام 1953، وحسب وثائق وتقارير أميركية كان العقل المدبر للتخلص من مصدق، وترسيخ حكم الشاه، الذي يعد إحدى ركائز ووسائل "التقارب" الذي يصفه بعض المحللين بـ"الهيمنة" الأميركية على إيران طوال فترة حكم الشاه.
وكانت أميركا في عهد الرئيس أيزنهاور وقعت مع إيران اتفاقية التعاون الخاصة بالاستخدامات المدنية للذرة، كجزء من مبادرة الرئيس دوايت أيزنهاور "الذرة من أجل السلام"، التي بموجبها تلقى عدد من الدول النامية تعليماً وتكنولوجيا نووية من أميركا. وإحدى المفارقات الكثيرة في العلاقة بين أميركا وإيران هي أن هذه الاتفاقية أرست الأسس والقواعد الأولى والمحورية للبرنامج النووي الإيراني، وزوّدت أميركا إيران لاحقاً بمفاعل ووقود يورانيوم مخصب عالي التخصيب، واستمر التعاون النووي بين البلدين حتى اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979.
كنيدي والشيوعية وجاء عصر الرئيس جون كنيدي (الديمقراطي) ليضيف عاملاً فريداً من المفارقة في العلاقة الغريبة بين البلدين، وهو مزيج من خوف من الشيوعية مع حث الشاه على التحديث. تحفل كتب التاريخ الحديث والعلوم السياسية بكثير من التحليلات للعلاقة بين شاه إيران وكنيدي خلال عامي رئاسة الأخير لأميركا، التي انتهت باغتياله عام 1963.
وعلى رغم الود الظاهر، والصداقة الواضحة، فإن إيران لم تكن أولوية قصوى على لائحة كنيدي، وربما لو مكث في منصبه فترة أطول، لأصبحت ضمن أولوياته، وإن أبقى على التأكد من استمرار مكانة إيران كحليف استراتيجي لبلاده في مواجهة التأثير السوفياتي.
في المقابل، استغل الشاه مخاوف أميركا من شبح الشيوعية والهيمنة السوفياتية للضغط على أميركا، للحصول على مزيد من الدعم المالي والعسكري والمميزات، وعلى رغم ميل كنيدي لتقديم الدعم الاقتصادي أكثر من العسكري، فإن جهد الشاه في الضغط نجح وأصبحت إيران قوة عسكرية معتبرة في الشرق الأوسط.
يبدو أن أميركا تنبهت بشكل واضح في هذه الحقبة للأخطار التي تلوح في الأفق، إذ اتضحت بصورة متصاعدة الهوة بين نظام الشاه والشارع الإيراني، وهو ما وضع استدامة النظام في ظل غضب الشارع محل بحث وتخطيط في البيت الأبيض لأعوام مقبلة، لكن بدرجات متفاوتة بحسب تقارب أو تباعد الرؤساء الأميركيين مع نظام الشاه.
جونسون والمبيعات العسكرية في فترة رئاسة ليندون جونسون (الديمقراطي) (1963 - 1969)، مضت العلاقات بين البلدين قوية ووثيقة بين الشاه والرئيس الذي اعتبر شاه إيران ركيزة قوية ومهمة لخدمة المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. وعلى العكس من كنيدي، لم يتحفظ جونسون على مبدأ المبيعات العسكرية لإيران، بل دعمها، ولم يبد مخاوف أو تحفظات أو شروطاً، عكس العادة الأميركية في ربط المساعدات المقدمة للدول بالتقييم الأميركي لملفات الحريات بحسب الحاجة، حول تعامل نظام الشاه مع حقوق الإنسان.
"الثورة البيضاء" التي أطلقها شاه إيران محمد رضا بهلوي عام 1963 رفعت شعار تحديث البلاد ودعمها لتكون إيران قوة عالمية يعتد بها. وسواء أكانت رغبة الشاه في تحديث البلاد وتقويتها حقيقية أم واجهة أنيقة لإحكام قبضته ووأد أية احتجاجات أو اعتراضات من الشعب في مهدها، إلا أنه جرى اتخاذ خطوات في مجالات مختلفة مثل إعادة توزيع الأراضي، والقضاء على الأمية، ومنح المرأة حق التصويت، وهو ما فاقم غضب رجال الدين وعلى رأسهم آية الله الخميني، الذي جرى نفيه إلى العراق لاحقاً.
الإدارة الأميركية من جهتها، دعمت ثورة الشاه "البيضاء"، واعتبرتها، بحسب وثائق "مكتب المؤرخ" الحكومي الأميركي جهداً تحديثياً حاسماً يهدف إلى منع التوسع الشيوعي، وتعزيز تحالف مستقر متحالف مع الغرب في المنطقة، كذلك اعتبرتها الإدارة الأميركية في ذلك الحين، سبيلاً إلى استقرار إيران، حتى وإن أدت إلى إمعان الشاه في مزيد من "الديكتاتورية"، وتفاقم المعارضة، وكلاهما ساعد في سقوط الشاه بعد أعوام قليلة.
نيكسون واستراتيجية العلاقة من جهته، مضى الرئيس ريتشارد نيكسون (الجمهوري) (1969 - 1974) قدماً في اعتناق مبدأ العلاقة الاستراتيجية الوثيقة مع الشاه، واعتبره عامل استقرار مهماً وحاسماً في منطقة الخليج العربي، إضافة إلى كونه حليفاً محورياً في مواجهة ومكافحة الشيوعية.
وبحسب "مؤسسة ريتشارد نيكسون" الثقافية، قدم نيكسون "شيكاً على بياض" لمبيعات الأسلحة الأميركية لإيران عام 1972، وذلك دعماً لجهود الشاه في تحديث وتطوير وتقوية الحليفة إيران، ومستغلاً استقرار أسعار النفط الإيراني في الحرب الباردة.
يشار إلى أن شاه إيران اتخذ موقفاً مغايراً تماماً لموقف الدول العربية إبان حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، فكانت إيران الدولة الوحيدة في المنطقة التي رفضت حظر تصدير النفط إلى دول الغرب، مستغلة الأزمة لزيادة إنتاجها ومعتبرة النفط "سلعة اقتصادية لا سلاحاً سياسياً".
فورد و"شيك على بياض" ومن نيكسون إلى الرئيس جيرالد فورد (الجمهوري) (1974 - 1977)، استمر تعامل الإدارة الأميركية مع إيران باعتبارها الحليف الاستراتيجي، والدولة التي تحصل على الأسلحة الأميركية بوتيرة "شيك على بياض" التي دشنها نيكسون، لكن من دون عنصر الدفء في العلاقة الشخصية التي جمعت الشاه ونيكسون. كذلك توترت العلاقة بين البلدين لأسباب عدة، أبرزها الخلاف على أسعار النفط، وملاحظات أبداها الكونغرس على ملف حقوق الإنسان في إيران، وتعثر المفاوضات الخاصة بالتكنولوجيا النووية.
وقد بذلت إدارة الرئيس فورد جهوداً في التفاوض مع إيران للوصول إلى اتفاق نووي لبيع المفاعلات لها، ومطالبتها بضوابط أكثر صرامة من تلك الواردة في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وهو ما رفضه الشاه باعتباره انتهاكاً لسيادة إيران.
كارتر والتقلبات ومع قدوم الرئيس جيمي كارتر (الديمقراطي) (1977 - 1981)، بدأت الأمور تتغير والمجريات تتطور بشكل غير مسبوق في العلاقة بين البلدين. بدأ كارتر ولايته بأمارات استمرار التحالف القوي والوثيق مع شاه إيران، حتى إنه وصف إيران في خطاب شهير ألقاه في أثناء زيارة طهران قبل سقوط الشاه ببضعة أشهر، وذلك في ديسمبر عام 1977، بأنها "جزيرة استقرار في إحدى أكثر مناطق العالم اضطراباً"! بعد أشهر، سقط الشاه.
قبل سقوط الشاه بأشهر، تحدث كارتر غير مرة عن الوضع "غير المرضي" لحقوق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
