اربيل (كوردستان24) - مع بزوغ خيوط الفجر الأولى في سهول ووديان إقليم كوردستان، تبدأ رحلة العمل الشاقة لمربي المواشي؛ رحلةٌ تمتزج فيها قسوة المهنة ببركة الإنتاج الطبيعي، لترسم مشهداً يومياً يجسد ارتباط الإنسان الكوردستاني بأرضه وثرواته الحيوانية.
طقوس الفجر.. صراع مع الوقت
عملية حلب المواشي ليست مجرد مهمة روتينية، بل هي "مهمة شاقة" تتطلب تضافر الجهود والعمل المتواصل لمدة ساعة كاملة يومياً. السيدة دلخواز مامه شين، التي تقضي يومها بين قطيعها، تروي لنا تفاصيل هذه التجربة قائلة: "أقوم بحلب 100 رأس من الغنم يومياً. في هذا الموسم، تدر كل أربع خراف لتراً واحداً من الحليب، بينما نترك المتبقي لصغارها لضمان نموها".
وتضيف دلخواز وهي تشرف على تحويل الحليب إلى مشتقات: "ننتج اللبن (الزبادي) بمختلف أنواعه حسب رغبة الزبائن. هناك إقبال كبير وغير مسبوق على منتجاتنا؛ فالناس يفضلون المنتج المحلي الطازج ويأتون إلينا من كل مكان لشرائه".
مراعي "زراريتي".. الطبيعة توفر البديل
عقب الانتهاء من الحلب، تُساق القطعان نحو المراعي المفتوحة في منطقة "زراريتي" الشهيرة بجمال طبيعتها ووفرة غطائها النباتي. هذا العام، وبفضل الأمطار الغزيرة التي شهدها الإقليم، اكتست الأرض بحلة خضراء غنية، مما خفف العبء المالي عن كاهل المربين.
يقول الراعي محمود عبد الله: "لقد كانت أمطار هذا العام غيثاً نافعاً للمناطق الجبلية والمراعي. نمو الأعشاب والنباتات البرية بشكل ممتاز انعكس إيجاباً على صحة الماشية وجودة إنتاجها، ووفر علينا تكاليف الأعلاف والحبوب والتبن".
ويجمع الخبراء والمربون على أن هذا الغطاء النباتي الوفير لا يزيد من كمية إنتاج الحليب فحسب، بل يمنح ألبان وأجبان المنطقة جودة استثنائية ومذاقاً غنياً يفتقر إليه المنتج المستورد.
ثقة الزبائن.. من أربيل إلى بغداد
في أسواق أربيل، تحظى المتاجر المتخصصة في ألبان القرى بطلب لافت. مريوان سعيد، صاحب محل لبيع منتجات الألبان، يؤكد أن شهرة "منتج أربيل" تجاوزت حدود المحافظة.
ويوضح سعيد: "معظم زبائني يأتون من السليمانية، ولدينا طلبيات مستمرة نرسلها إلى العاصمة بغداد. السر يكمن في الأمانة والجودة؛ نحن نقدم للزبائن بضاعة من الدرجة الأولى، وإذا لم تكن الجودة في أعلى مستوياتها ننصح الزبون بعدم الشراء. اللبن المتوفر حالياً ممتاز ومذاقه غني جداً".
لغة الأرقام.. فجوة تتطلب الاستثمار
رغم هذا الانتعاش والمساحات الرعوية الشاسعة، لا يزال قطاع الألبان في إقليم كوردستان يواجه تحديات في تلبية حاجة السوق المحلية بالكامل. وتكشف الأرقام الرسمية عن مفارقة كبيرة؛ حيث ينتج الإقليم سنوياً نحو 280 ألف طن من الحليب، في حين تبلغ الحاجة الفعلية للسوق 500 ألف طن.
هذا الفارق الكبير بين الإنتاج والاستهلاك يفتح الباب واسعاً أمام ضرورة دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في هذا القطاع، لضمان تحقيق الاكتفاء الذاتي وتحويل هذه الثروة الحيوانية إلى ركيزة أساسية في اقتصاد إقليم كوردستان.
تقرير : آزر فاروق - أربيل - كوردستان 24
هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24
