«بيضة الإسلام» في منظور «أمّ القرى»: من يُحمى و من يُضحّى به؟

«بيضة الإسلام» في منظور «أمّ القرى»:

من يُحمى و من يُضحّى به؟

الدكتور ثائر العجيلي

المقدّمة:

في البناء الفقهي الإسلامي، لم يكن مفهوم "بيضة الإسلام" يومًا مجرد تعبير بلاغي، بل كان توصيفًا دقيقًا لما يُعرف في أصول الفقه بـ"حفظ الكيان الجامع للدين"، أي ذلك الإطار الذي تتجسد فيه الشريعة كمنظومة حياة لا كمجرد شعائر فردية. وقد استُخدم المصطلح تاريخيًا للدلالة على حوزة الإسلام التي يجب صيانتها من الانكسار، باعتبار أن سقوطها لا يعني فقط خسارة أرض أو سلطة، بل انكشاف الدين نفسه أمام التآكل التاريخي.

غير أن الفقه الجعفري الإثني عشري، ونتيجة لغياب الإمام المعصوم، تعامل مع هذا المفهوم ضمن حالة تعليق جزئي للوظائف السيادية، حيث بقيت "البيضة" كيانًا يجب حفظه، لكن دون امتلاك أدوات الدولة الكاملة التي تُدير هذا الحفظ. ومن هنا، ظلّت العلاقة بين الدين و السلطة علاقة مفصولة نسبيًا، يُحفظ فيها الدين بالانتظار، لا بالمبادرة.

هذا التوازن الدقيق تعرّض لاهتزاز عميق مع صعود نظرية ولاية الفقيه لدى روح الله الخميني، حيث أُعيد تعريف مفهوم "الحفظ" ذاته. لم يعد المقصود حفظ الدين كمنظومة قيمية، بل حفظ النظام السياسي الذي يُجسّد هذه القيم، بوصفه الامتداد العملي لولاية المعصوم في زمن الغيبة. وهنا برزت القاعدة الحاكمة: "حفظ النظام من أوجب الواجبات"، بما تعنيه من تقديم الكيان السياسي على سائر الأحكام الفرعية عند التعارض.

لكن التحول الأعمق لم يقف عند هذا الحد. ففي إطار ما عُرف لاحقًا بنظرية "أمّ القرى" التي طوّرها محمد جواد لاريجاني، انتقل المفهوم من دائرة الفقه إلى مجال الجيوبوليتيك. لم تعد بيضة الإسلام مفهومًا عامًا أو نظامًا مجردًا، بل أصبحت تشير إلى مركز جغرافي-سياسي محدد يُنظر إليه بوصفه حامل المشروع الإسلامي وضامن استمراريته.

وعند هذه النقطة، لم يعد السؤال الفقهي هو: كيف نحفظ الدين؟

بل أصبح السؤال الاستراتيجي: أيُّ كيانٍ يُمثّل الدين بحيث يصبح سقوطه مساويًا لسقوطه؟

ومن هنا، تتأسس معادلة جديدة شديدة التعقيد:

حيث يُعاد ترتيب الأولويات، وتُعاد قراءة الجغرافيا، وتُعاد صياغة مفهوم التضحية ذاته ليس على أساس القرب من العقيدة، بل على أساس القرب من المركز الذي يُفترض أنه يحملها.

وفي ظل هذا التحول، يغدو مفهوم بيضة الإسلام مفتاحًا لفهم ليس فقط الفقه السياسي، بل أيضًا منطق الحركة في الإقليم، وحدود الحماية، وسقوف التضحية. وهو ما يجعل من السؤال التالي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، سؤالًا لا يمكن تجنبه:

من يُحمى ومن يُضحّى به؟

1 ما قبل الخميني - بيضة بلا مركز

في الفقه الجعفري الكلاسيكي، كانت "بيضة الإسلام" تعني:

جماعة المسلمين

الحاضنة الدينية

الامتداد الرمزي للعقيدة

لكن هذا المفهوم كان يعيش تحت قيد بنيوي حاسم:

غياب الإمام المعصوم.

لذلك:

لم تتشكل دولة مكتملة

ولم تُمارس الحرب بوصفها وظيفة مركزية

وبقيت "البيضة كيانًا معنويًا يُحمى

لا مركزًا يُدير الصراع

لقد كانت البيضة هنا فكرة بلا جغرافيا.

2 "بيضة الإسلام" عند الخميني (ولاية الفقيه)

لحظة التحول - حين أصبح النظام هو الدين

مع روح الله الخميني، لم يتم فقط تجاوز هذا القيد

بل إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة.

القاعدة التي قلبت المعادلة كانت واضحة:

حفظ النظام من أوجب الواجبات

لكن هذه القاعدة لم تكن مجرد اجتهاد فقهي، بل إعلانًا عن تحول عميق:

لم يعد الدين هو ما يُنتج النظام

بل النظام هو ما يُبقي الدين ممكنًا

بل ذهب التصور أبعد من ذلك:

الدولة يمكنها إعادة ترتيب الأحكام لكنها لا تُعطَّل.

ففي فكر روح الله الخميني، حدث تحول جذري:

1) نقل البيضة من "الأمة" إلى "الدولة"

قبل الخميني:

بيضة الإسلام = مجموع الأمة الإسلامية

بعد الخميني:

بيضة الإسلام = الدولة الإسلامية (نظام ولاية الفقيه)

2) المعادلة المركزية

حفظ النظام = حفظ بيضة الإسلام

وهذه واحدة من أشهر القواعد في فكره السياسي.

3) النتائج العملية

أي تهديد للنظام = تهديد للإسلام نفسه

الدفاع عن الدولة ليس سياسيًا فقط بل:

واجب شرعي وجودي

4) التوسع في مفهوم الدفاع

ليس دفاعًا جغرافيًا فقط

بل:

دفاع أيديولوجي

دفاع استباقي

دعم الحلفاء كجزء من حماية البيضة

في هذه اللحظة، تحولت "بيضة الإسلام" من جماعة إلى:

نظام سياسي يجب أن يُحمى بأي كلفة

3 "بيضة الإسلام" في نظرية أمّ القرى (لاريجاني)

من فقه الدولة إلى جيوسياسة البيضة

مع محمد جواد لاريجاني، خرج المفهوم من الفقه إلى الجغرافيا.

الفكرة الحاسمة كانت: إيران هي "أمّ القرى"

وبذلك لم تعد "البيضة" مفهومًا نظريًا

بل أصبحت: موقعًا محددًا على الخريطة

في الثمانينات حصل التطوير الأكثر استراتيجية:

1) تحديد الموقع الجغرافي للبيضة

في نظرية أمّ القرى:

إيران (الدولة الإسلامية) هي مركز العالم الإسلامي - أمّ القرى

وبالتالي:

بيضة الإسلام كل العالم الإسلامي

بل = مركزه القيادي (إيران)

اذن لم تعد البيضة فكرة بل أصبحت:

إيران نفسها كـ "أمّ القرى"

أي:

المركز القيادي

القلب السياسي

نقطة الارتكاز

2) قاعدة الحسم

لاريجاني يضع قاعدة حاسمة:

إذا تعارضت مصلحة العالم الإسلامي مع مصلحة "أمّ القرى"

تُقدَّم أمّ القرى

3) هرم التضحية

وفق هذا المنطق:

المركز (إيران) = غير قابل للكسر

الأطراف (الحلفاء) = قابلة للاستهلاك

4) المعادلة النهائية

بقاء إيران = بقاء الإسلام السياسي

سقوط إيران = انهيار المشروع الإسلامي الشيعي

5) التحول الخطير هنا

لم تعد "بيضة الإسلام":

مفهومًا رمزيًا

جماعة

ولا حتى نظامًا مجردًا

بل أصبحت:

دولة محددة بحدود وسيادة ومصالح قومية و كيانًا جغرافيًا-سياسيًا محددًا

و أخيرا تبلورت قاعدة حاسمة:

إذا تعارضت مصلحة الأطراف مع مصلحة المركز يُضحّى بالأطراف

4 هندسة الحماية - كيف تُبنى طبقات الاحتراق؟

في هذا البناء النظري، يظهر منطق.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ ساعتين
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 41 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
وكالة الحدث العراقية منذ 8 ساعات
قناة السومرية منذ 10 ساعات
قناة السومرية منذ 12 ساعة
موقع رووداو منذ 10 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 20 ساعة
موقع رووداو منذ 20 ساعة
قناة السومرية منذ 19 دقيقة
عراق أوبزيرڤر منذ 8 ساعات