من نورمبرغ إلى كردستان: تطوّر العدالة الجنائية الدولية وتحديات المساءلة في النزاعات المعاصرة

تُعدّ ملاحقة جرائم الحرب وغيرها من الجرائم الدولية الجسيمة من أكثر المجالات تعقيدًا وتحديًا في القانون الدولي المعاصر. وغالبًا ما تتعلق هذه القضايا بأحداث وقعت قبل سنوات وأحيانًا عقود، وقد تكون وُثّقت بسجلات مجزأة وتقنيات قديمة، مع محدودية الوصول إلى أدلة موثوقة بسبب فوارق زمنية بين ارتكاب الجريمة و جمع الأدلة و سير المحاكمة. ولذلك فإن تحقيقات اليوم تتناول في كثير من الأحيان فظائع الأمس، التي تم توثيقها بوسائل وإمكانيات وأدوات و تقنيات ذلك الزمن.

ولا يقتصر هذا التحدي على الجوانب التقنية فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا سياسية معقدة, إذ تستهدف الملاحقات الجنائية الدولية في كثير من الأحيان شخصيات نافذة في السلطة، بما في ذلك رؤساء دول، وقادة عسكرين، وزعماء جماعات مسلحة, وغالبًا ما يمتلك هؤلاء موارد مالية وبشرية هائلة في بعض الأحيان تفوق قدرة المحكمة ولديهم نفوذًا كافيًا لعرقلة التحقيقات وتقويض جهود المساءلة. وفي كثير من الحالات يكون ضحايا الجرائم الدولية من الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع في كثير من الأحيان لا يستطيعون تقديم شكوى او حتي تقديم شهادات امام المحكمة بسبب التهديدات السلطة او الجماعات المسلحة ضدهم مما يجعل ملاحقه مرتكبي جرائم دولية صعبة ومعقدة للغاية.

يقوم القانون الجنائي الدولي على أربعة جرائم أساسية: الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان. وعلى الرغم من تطور المؤسسات القانونية الدولية، لا تزال هذه الجرائم تُرتكب في مختلف أنحاء العالم، في كثير من الأحيان على مرأى من المجتمع الدولي. وفي العديد من الحالات، تبدو السلطات الوطنية أو المحلية غير راغبة أو غير قادرة على التحقيق فيها بشكل فعّال، مما يخلق فجوة مستمرة في تحقيق العدالة وملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية.

نورمبرغ تعتبر الأساس التاريخي للعدالة الجنائية الدولية

ترجع جذور العدالة الجنائية الدولية الحديثة إلى محاكمات نورمبرغ او المعروف بمحاكمة قيادات النازية، حيث تم لأول مرة في تاريخ البشرية المعاصر إخضاع الأفراد وقيادات دولة خاسرة في الحرب للمساءلة عن جرائم بموجب القانون الدولي الإنساني, قانونيا تعتبر محاكمة قيادات النازية في محكمة نورمبرغ شيء فريد من حيث الأسس القانونية, حيث طبق القانون بشكل رجعي و أسس اساس قانوني لقوانين جرائم جنايات دولية الحالية.

ومن أبرز الابتكارات التي شهدتها تلك المحاكمات إدخال الأدلة البصرية منها صور و مقاطع صور متحركة ( فيديو) فقد عُرضت لقطات مصوّرة توثق معسكرات الاعتقال النازية ليهود مباشرة أمام المحكمة, ولم تقتصر هذه الصور على دعم الشهادات، بل أسهمت في إحداث تحول عميق في مسار المحاكمة ومستقبل الشعب اليهودي حيث ساهم لاحقا في تأسيس الدولة الإسرائيلية و تعاطف دول كثيرة معهم في ضرورة وجود كيان دولي لحماية اليهود من الإبادة.

لقد كشفت تلك اللقطات حجم الفظائع بطريقة لم يكن بالإمكان تحقيقها من خلال الوثائق المكتوبة وحدها، وأظهرت القوة الحاسمة للأدلة في تشكيل قناعة القضاة, ومع ذلك برزت آنذاك حدود واضحة إذ لم تُوثّق جميع الجرائم ولم يكن بالإمكان إثبات جميع معاناة الضحايا و توثيق اللحظة حصول الجريمة و اظهار الجاني كما هو الحال في كثير من حالات عصرنا الحالي المعروف بعصر عالم الرقمي. الأدلة الرقمية في بعض الأحيان الجاني تقوم بتوثيق و تصوير الجريمة ونشره بأنفسهم في بعض الأحيان تستخدم كوسيلة حرب إعلامية ونفسية, وبعض الأحيان من اجل التحدي الطرف الاخر او حتى الى درجة التحدي المجتمع الدولي كما فعلت التنظيم الدولة الإرهابية داعش ضد ضحاية و اسرى قوات بيشمركة الكردية و الطيار الأردني بحرقه بطريقة بشعة الامام الكاميرات بشكل مباشرة.

من المحاكم الخاصة إلى العدالة العالمية من اجل توسّع منظومة المساءلة

ابتداءً من محاكم نورمبرغ وطوكيو، مرورًا بالمحاكم الخاصة مثل المحكمة الجنائية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا، ثم المحاكم المختلطة كالمحكمة الخاصة بسيراليون وكمبوديا، وصولًا إلى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة, وقد أدخلت هذه المحاكم أساليب تحقيق أكثر تطورًا، شملت العلوم الجنائية، وصور الأقمار الصناعية، وتحليل الحمض النووي.

وبالتوازي مع ذلك ساهمت المحاكم المختلطة والوطنية في تعزيز مبدأ المساءلة, فقد أثبتت المحكمة الخاصة بسيراليون إمكانية محاكمة حتى رؤساء الدول. كما أظهرت الدوائر الاستثنائية في محاكم كمبوديا إمكانية التعاون بين الأنظمة القانونية الوطنية والدولية و المحكمة الدولية الخاصة بلبنان , وفي السياق نفسه تولّت المحكمة الجنائية العراقية العليا لمحاكمة النظام وقيادات حزب البعث تحت حكم صدام حسين بتهمة ارتكاب الجرائم الإبادة الجماعية, جرائم ضد الإنسانية و جرائم الحرب وقعت ضمن إطار دولة العراقية ضد الشعب الكردي في العراق.

وفي الوقت ذاته، بدأت المحاكم الوطنية في عديد من الدول تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح لها ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية بغض النظر عن مكان ارتكابها وجنسية الضحية او هوية الجاني او المتهم. وقد عزّز هذا التطور فكرة أن المساءلة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الدول ملاحقتها كما هو الحال في السويد على سبيل مثال حاكم محكمة مقاطعة ستوكهولم حميد نوري في سنة 2022 عندما كان في زيارة سياحية لسويد في سنة 2021 تم اعتقاله بتهمة ارتكاب جرائم حرب ارتكبت في سجن كوهردشت في ايران ضد أعضاء منظمة مجاهدي خلق إيرانية في سنة 1988 وحكم عليه بسجن مؤبد. وكما هو الحال في المانيا و بلجيكا و فرنسا و فنلندا في محاكمة عناصر داعش في ارتكاب جرائم ضد الكور اليزيدين وكذلك الولايات المتحدة الامريكية.

بصفتنا نتناول المسألة من منظور قانوني مهني، فإن الأدلة تُعدّ الفاصل الجوهري والحاسم بين الجريمة الاعتيادية والجرائم الدولية التي تُنسب إلى الدولة وقياداتها أو إلى جهات ذات طابع منظم كجماعات مسلحة فمن الناحية القانونية، لا يكفي وقوع الفعل الإجرامي بحد ذاته، بل يجب أن تُثبت الأدلة توافر السياق القانوني الخاص الذي يميز الجرائم الدولية مع جرائم غير دولية، تحديدا وعلى وجه الخصوص وجود نزاع مسلح، سواء كان دوليًا أو غير دولي، بين طرفين أو أكثر ويُعدّ هذا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ ساعة
قناة السومرية منذ 10 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ 3 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ ساعة
قناة السومرية منذ 20 ساعة
قناة السومرية منذ 15 ساعة
موقع رووداو منذ 10 ساعات
قناة اي نيوز الفضائية منذ 17 ساعة
قناة الرابعة منذ 6 ساعات