تستعد العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاحتضان محادثات وُصفت بالحساسة بين الولايات المتحدة وإيران، بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين قبل انتهاء الهدنة الهشة التي تمت الموافقة عليها لمدة أسبوعين.
وتسود أجواء من الترقب داخل الأوساط الرسمية الباكستانية، التي تؤكد أنها تلعب دور الوسيط المقبول لدى الطرفين، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن وفدي البلدين يصلان إلى الطاولة بدرجات متفاوتة من التفاؤل الحذر.
من جانبه، عبّر نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، الذي يترأس الوفد الأميركي، قبل مغادرته واشنطن عن استعداد بلاده للتعامل الإيجابي في حال أبدت طهران جدية في التفاوض، قائلًا إن الانفتاح الأميركي قائم على شرط حسن النية، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن أي محاولة للمماطلة أو الالتفاف على الطروحات الأميركية ستُقابل بموقف تفاوضي أكثر صرامة.
ومع ذلك، فإن قائمة الملفات العالقة تبدو واسعة ومعقدة، ما يجعل مسار التقدم في هذه المحادثات محفوفاً بالعقبات منذ بدايته.
الملف اللبناني يشكّل التصعيد العسكري المستمر في لبنان، خاصة العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، أحد أبرز التحديات التي قد تؤثر مباشرة على مسار التفاوض حتى قبل انطلاقه الفعلي. وحذّر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان من أن استمرار الضربات العسكرية في لبنان قد يُفرغ أي محادثات من مضمونها، مؤكدًْا عبر منصة "إكس" أن بلاده لن تتجاهل ما يجري، وأن موقفها تجاه حلفائها في لبنان ثابت.
في المقابل، يؤكد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن العمليات ضد حزب الله لن تتوقف، رغم استمرار الدعوات الدولية لخفض التصعيد، بما في ذلك تحذيرات الإخلاء المتكررة في محيط جنوب بيروت دون أن تتبعها خطوات تهدئة واضحة حتى الآن. وتشير تصريحات أميركية إلى احتمال فتح قنوات حوار مباشر بين إسرائيل ولبنان في واشنطن خلال الفترة المقبلة، وسط تساؤلات حول قدرة هذه التحركات على تهدئة الساحة بما يكفي لإرضاء طهران أو تخفيف التوتر الإقليمي.
مضيق هرمز وأمن الملاحة يمثل مضيق هرمز نقطة توتر رئيسية أخرى قد تلقي بظلالها على المحادثات، نظرًْا لأهميته الحيوية في حركة تجارة الطاقة العالمية. وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طريقة تعامل إيران مع حركة العبور في المضيق، معتبرًا أن التفاهمات غير مطبقة بالشكل الصحيح، ومتهمًا طهران بسلوك لا ينسجم مع الالتزامات المعلنة.
وفي المقابل، تتحرك إيران نحو ترسيخ سيطرتها على هذا الممر البحري، حيث بدأت تتحدث عن تنظيم المرور عبره باعتباره مجالًا سياديًا إيرانيًا، مع طرح ترتيبات جديدة لتنظيم الملاحة. كما أعلنت الجهات المعنية عن فتح مسارات بحرية إضافية شمال خطوط الملاحة الحالية، مبررة ذلك باعتبارات تتعلق بالسلامة وتفادي مخاطر محتملة مثل الألغام البحرية، في إشارة تحمل أبعادًا أمنية واقتصادية في آن واحد.
وفي ظل تقارير تتحدث عن رسوم مرتفعة فُرضت على بعض السفن العابرة خلال الفترة الأخيرة، حذّر ترامب من أي محاولات لفرض تكاليف إضافية على ناقلات النفط، معتبرًا ذلك تصعيدًا غير مقبول في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
الملف النووي تظل القضية النووية الأكثر تعقيدًا والأطول عمرًا في مسار الخلاف بين واشنطن وطهران، وتشكل محورًا أساسيًا في أي مفاوضات محتملة. وكان ترامب قد برر تحركاته السياسية والعسكرية السابقة برغبته في منع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل نهائي، في حين تؤكد طهران أنها لا تسعى لتطوير أسلحة نووية، لكنها تتمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، باعتبارها طرفًا في معاهدة منع الانتشار النووي.
وتطرح إيران رؤية تفاوضية تتضمن الاعتراف الدولي بحقها في الاستمرار بعمليات التخصيب ضمن إطار مدني، بينما تتداول تقارير غربية مقترحات أميركية تدعو إلى وقف كامل لهذه الأنشطة داخل الأراضي الإيرانية. ورغم اختلاف المواقف، تشير التصريحات الأميركية الرسمية إلى التركيز على منع إيران من امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي، دون الخوض في تفاصيل الصيغة النهائية لأي اتفاق محتمل.
ويُذكر أن التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015 استغرق سنوات من التفاوض المعقد، ما يعكس حجم الصعوبة في إعادة صياغة تفاهم جديد حول الملف نفسه في الظروف الحالية.
النفوذ الإقليمي الإيراني تشكل شبكة التحالفات الإقليمية الإيرانية أحد أبرز عناصر القوة والنفوذ في استراتيجية طهران الخارجية، حيث تشمل فصائل مسلحة في لبنان واليمن وغزة والعراق، ما يمنحها قدرة على التأثير في عدة ساحات إقليمية في آن واحد. ومنذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، تعرض ما يُعرف بـ"محور المقاومة" لضغوط وهجمات متزايدة، ترافقت مع تغييرات كبيرة في المشهد الإقليمي، أبرزها انهيار النظام السوري السابق، ما أعاد رسم موازين النفوذ في المنطقة.
في المقابل، ترى إسرائيل أن هذه الشبكة تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها، وتتعامل معها باعتبارها بنية عسكرية مترابطة يجب تحجيمها أو تفكيكها بالكامل. وفي الداخل الإيراني، تتزايد الضغوط الاقتصادية، ما يدفع قطاعات من الرأي العام إلى المطالبة بإعادة توجيه الموارد نحو الداخل بدلًا من دعم الأنشطة الخارجية، رغم عدم وجود مؤشرات واضحة على تغيير جذري في سياسة طهران الإقليمية حتى الآن.
العقوبات والأصول المجمدة يعد ملف العقوبات الاقتصادية أحد أكثر القضايا حساسية بالنسبة لإيران، التي تطالب برفع شامل للقيود المفروضة عليها منذ سنوات طويلة، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي تفاهم محتمل. وفي هذا السياق، دعا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات قبل الدخول في أي مفاوضات رسمية، مشيرًا إلى أن هذا الطلب يمثل جزءًا من تفاهمات مسبقة لم تتضح تفاصيلها بشكل كامل.
غير أن الترتيبات التي أعلنتها باكستان بشأن وقف إطلاق النار المؤقت لم تتضمن أي إشارة إلى مسألة الأصول المجمدة، ما زاد من الغموض حول الأساس الذي يستند إليه هذا الطرح. وفي المقابل، تبدو الإدارة الأميركية غير مهيأة لتقديم تنازلات مالية بهذا الحجم كمدخل لبدء الحوار، ما يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين في هذا الملف تحديدًا، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مسار المحادثات المرتقبة.
هذا المحتوى مقدم من العلم
