تحقيق لـ"الغد" يكشف غياب الدعم النفسي لطلبة الطب

تحقيق منى أبو حمور

عمان- لدى بعض الطلبة.. يكون الطريق إلى الطب حلماً واضح المعالم، قبل أن يتحول إلى تجربة قاسية تتداخل فيها الضغوط الأكاديمية مع العزلة وفقدان الدافعية.

في بداية الرحلة يسيطر الشغف ومباركة المحيطيين بالطالب، قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى عبء ثقيل يتسلل إلى تفاصيل يومه، ويعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالعالم من حوله.

في إحدى قاعات المحاضرات، أولى بدايات التغيّر. لم يكن الأمر مجرد ضغط دراسي عابر، بل سلسلة متراكمة من المواقف التي يصفها أحد طلبة الطب لاحقًا بـ المنهكة نفسيًا ، خاصة مع تكرر احتكاكه بعضو هيئة تدريس كان يدرّسه أكثر من مادة على مدار فصول متتالية.

مع الوقت، لم يعد الخوف مرتبطًا بالامتحانات فقط، بل صار حاضرًا في كل تفصيلة: في حضوره، في صوته، وحتى في محاولاته للتركيز.

تدريجيًا، انكمش عالمه.. ابتعد عن أصدقائه، فقد اهتمامه بما كان يحب، وغرق في عزلة صامتة لم يلحظها كثيرون. كانت أيامه تمر مثقلة بثقل لا يُرى، إلى أن وجد نفسه يواجه أفكارًا قاسية عن جدوى الاستمرار، دون أن يمتلك دائمًا القدرة على مقاومتها.

لفترة طويلة، لجأ إلى المهدئات وأدوية الاكتئاب، في محاولة للتماسك وسط ما كان يصفه بـ الانهيار البطيء . لم تكن الرحلة سهلة، ولم تبدأ ملامح التغيير إلا حين تدخل أحد معارفه، وفتح له بابًا للعلاج النفسي خارج أسوار الجامعة، حيث بدأت رحلة مختلفة نحو التعافي.

اليوم، يقف هذا الطالب على مسافة من تلك المرحلة، محاولًا فهم ما حدث، ومشاركة قصته، ليس فقط كحكاية شخصية، بل كجزء من واقع أوسع يعيشه كثيرون بصمت داخل كليات الطب في الجامعات الحكومية.

بيئة تعليمية تنهك الطلبة وتستنزف طاقاتهم

تبدأ خيبة الأمل منذ اللحظة الأولى ، يقول طالب في مرحلة الامتياز في إحدى الجامعات الحكومية في إقليم الوسط، مستعيدًا لحظة دخوله كلية الطب بمعدل 99.4، حين اعتقد أنه صار واحدًا من نخبة طلبة الوطن كما يقول.

لكن الواقع، كما يصفه، كان مختلفًا تمامًا: كل شيء كان عكس التوقعات الواقع يختلف 180 درجة .

منذ السنوات الأولى، وجد نفسه وزملاءه في مواجهة منظومة تعليمية تفتقر، بحسب روايته، إلى أي شكل فعلي من أشكال الدعم النفسي. ثلاث دفعات جامعية متتالية عاشت تداعيات جائحة كورونا، والتعليم عن بعد، وتراجع التدريب العملي، دون وجود من يساندهم أو حتى يسأل عن أحوالهم. واجهنا كل ذلك وحدنا ، يقول.

ضغط يتجاوز الأكاديميا

يتحدث الطالب عن معاملة فظة من بعض أعضاء الهيئة التدريسية، تصل أحيانًا إلى حد الإهانة والتوبيخ والتقليل من قيمة الطلبة، إلى جانب كثافة المواد والزخم الدراسي المستمر.. طوال دراستي، أذكر خمسة دكاترة فقط كانوا يتعاملون معنا بإنسانية ، يضيف.

أما خدمات الدعم النفسي داخل الجامعة، فيصفها بأنها حبر على ورق . لم يشاهد، كما يقول، طبيبًا أو اختصاصيًا نفسيًا يقدم دعمًا فعليًا، رغم ما تعرض له كثير من الطلبة من انتكاسات نفسية دفعت بعضهم إلى اللجوء للعلاج خارج الجامعة وعلى نفقتهم الخاصة.

وفي بيئة لا تراعي، بحسب روايته، الظروف الإنسانية، يشير إلى حالات لطلبة أُجبروا على إعادة سنة كاملة بسبب تغيبهم عن امتحانات في ظروف قاهرة، مثل وفاة أحد الوالدين، ما عمّق من شعورهم بالعجز والضغط.

تحديات ما بعد التخرج

مع محدودية فرص الاختصاص داخل الأردن وارتفاع تكلفتها في الخارج، يجد خريجو الطب أنفسهم في سباق طويل ومرهق، بينما يشاهدون أقرانهم في تخصصات أخرى وقد أنهوا دراساتهم العليا وبدأوا حياتهم المهنية، في وقت ما يزال فيه أطباء الامتياز يقدمون خدمات غير مدفوعة.

بتدخل الجامعة فرحان، وثقتك بنفسك عالية وكل يوم بكلية الطب تهتز هذه الثقة ، يقول، واصفًا نظامًا تعليميًا يستهلك الطاقة النفسية ، حيث العقل يعمل على مدار الساعة ، في ظل بيئة لا تخلو، بحسب روايته، من إطلاق أوصاف جارحة بحق الطلبة.

وهذه الصورة لا تختلف كثيرًا لدى طلبة آخرين، فإحدى طالبات السنة الخامسة في جامعة حكومية أخرى في إقليم الوسط، تؤكد أن الضغط النفسي يبدأ من حجم المواد وكثافة المعلومات، مرورًا بالامتحانات المتواصلة، وصولًا إلى القلق المستمر من الفشل.

وتشير إلى أن غياب الدعم أو عدم توفره بشكل كافٍ يترك الطلبة في مواجهة مباشرة مع هذه الضغوط، ما يدفع بعضهم إلى الانسحاب من مواد أو التغيب عن التدريب بعد تعرضهم لمواقف محرجة أو قاسية.

ويتدرج طالب الطب في سنواته الدراسية الستة التي تتبعها سنة امتياز، حيث يبدأ بمواد عامة في العلوم (مشتركة) مع تخصصات أخرى ليبدأ بعد ذلك مرحلة الدخول في مرحلة مواد التخصص، ثم ينتقل إلى مرحلة التطبيق السريري .

الدعم النفسي بين الغياب والتعطيل

ورغم وجود مرشدة نفسية في الجامعة، إلا أن دورها، بحسب الطالبة نفسها، يبقى محدودًا، وإن كان قد أتاح لبعض الطلبة مساحة للتعبير عن مشاعرهم.

في المقابل، تنتقد ما تصفه بعدم مراعاة بعض أعضاء الهيئة التدريسية للظروف النفسية، وكأن الطالب آلة ، على حد تعبيرها.

وتلفت إلى أن بعض الطلبة وصلوا إلى مراحل متقدمة من الاكتئاب دفعتهم للتفكير بالانتحار ، في ظل غياب تدخل مؤسسي فعّال، بينما كان دعم الزملاء أحيانًا هو الحاجز الوحيد أمام تفاقم هذه الحالات.

أما طالبة السنة السادسة في إحدى الجامعات الحكومية في إقليم الجنوب، فتذهب أبعد من ذلك، واصفة مستوى الرعاية النفسية في الجامعة بـ الصفر .

وتقول إن آثار المعاملة القاسية والتنمر لا تنتهي مع التخرج، بل تبقى عالقة في الذاكرة لسنوات ، مشيرة إلى أن بعض الأقسام السريرية تحولت إلى مصدر رهبة لدى الطلبة بسبب طبيعة التعامل داخلها، مضيفة: كنا نهنئ بعضنا بالسلامة بعد الانتهاء من بعض الأقسام .

وتضيف أن ابتعاد كثير من الطلبة عن أسرهم للدراسة في محافظات أخرى يزيد من وطأة العزلة والضغط النفسي، في ظل غياب منظومة دعم حقيقية، لافتة إلى أن بعض الطلبة لجأوا إلى استخدام أدوية نفسية دون إشراف طبي.

وتختتم بعبارة تختصر المشهد: العبء النفسي يلازم طالب الطب من أول يوم وبعد التخرج يُترك وحيدًا .

اكتئاب وقلق.. أعراض تتصاعد بصمت

في جولات ميدانية ومقابلات موسعة، التقت الغد بعشرات طلبة الطب من مختلف الجامعات الحكومية في الأردن، الذين أجمعوا على غياب الرعاية النفسية الفاعلة داخل كلياتهم.

وأكد عدد منهم عدم وجود أقسام متخصصة بالدعم النفسي من الأساس، فيما أشار آخرون إلى أن الطلبة يواجهون الأعباء الدراسية والنفسية بشكل فردي، دون أي إسناد مؤسسي حقيقي.

وبينما حاول بعضهم اللجوء إلى أقسام الإرشاد النفسي داخل الجامعات، أفادوا بأن هذه الأقسام، في حالات عدة، تفتقر إلى وجود مختصين مؤهلين، أو أنها غير مفعّلة فعليًا، بل ومغلقة أحيانًا.

في موازاة ذلك، يجد الطلبة أنفسهم مضطرين للتعامل مع الضغوط المتراكمة بمفردهم، أو البحث عن دعم خارج أسوار الجامعة، إن توفرت لهم القدرة على ذلك.

حوادث انتحار تعيد فتح الملف المسكوت عنه

لم تمر حوادث الانتحار الأخيرة في أوساط طلبة الطب مرور الكرام، بل فجّرت موجة واسعة من الجدل والغضب، وأعادت إلى الواجهة ملفًا ظل لسنوات يُدار في الظل، فمع كل حادثة، لم يكن السؤال مقتصرًا على ماذا حدث؟ ، بل امتد ليشمل لماذا يحدث هذا؟ داخل كليات يُفترض أن تُخرّج حماة الحياة.

هذه الحوادث، بثقلها الإنساني وصداها المجتمعي، لم تكشف فقط عن مآسٍ فردية، بل فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول واقع طلبة الطب في الأردن، والضغوط النفسية التي يواجهونها، في بيئة تعليمية وُصفت مرارًا بأنها قاسية، ومفتقرة إلى الحد الأدنى من الدعم النفسي المنظم.

ومع اتساع دائرة النقاش، انتقل هذا الملف سريعًا إلى الفضاء الرقمي، حيث تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للبوح الجماعي.

هناك، لم يكتفِ طلبة الطب بالتعبير عن صدمتهم، بل بدأوا بسرد تجاربهم الشخصية، كاشفين عن ضغوط نفسية متراكمة، ومعاملة قاسية من بعض أعضاء الهيئة التدريسية، إلى جانب تحديات التدريب السريري داخل المستشفيات.

ومع انتشار خبر انتحار طالبة طب مؤخرا، ضجّت هذه المنصات بتفاعل واسع من طلبة الطب في الأردن، الذين وجدوا في الصدمة فرصة نادرة لكسر الصمت والتعبير عمّا يعيشونه يوميًا من ضغوط نفسية قاسية.

في مئات التعليقات والمنشورات، لم يكن الحزن وحده هو الحاضر، بل أيضًا الغضب والاعترافات المؤجلة؛ عن بيئة تعليمية وصفوها بأنها مرهقة نفسيًا ، تتداخل فيها صعوبة المناهج والخوف المستمر من الرسوب، وثقافة تنافسية لا تترك مساحة للضعف.

آخرون ذهبوا أبعد من ذلك، كاشفين عن تجارب شخصية مع ما اعتبروه تنمرًا أو معاملة قاسية من بعض أعضاء الهيئة التدريسية، إلى جانب ضغوط إضافية خلال التدريب السريري داخل المستشفيات، حيث يواجه الطلبة، بحسب رواياتهم، تعاملًا قاسيًا من بعض الأطباء المشرفين.

وبين سطور هذه الشهادات، بدا واضحًا أن ما حدث لم يُقرأ كحادثة فردية، بل كجرس إنذار. فمع تكرار مثل هذه الوقائع خلال السنوات الماضية، تصاعدت أصوات تطالب بمراجعة جذرية لبيئة التعليم الطبي ومنظومة الدعم النفسي، معتبرة أن هذه الحوادث كشفت عن مشكلة أعمق مما كان يُعتقد، مشكلة ظل كثير من الطلبة يعيشونها بصمت، إلى أن دفعتها المأساة إلى العلن.

خبراء: الانتحار نتيجة ألم نفسي قابل للعلاج

في قراءة أوسع لظاهرة الانتحار، يؤكد استشاري الطب النفسي الدكتور وليد سرحان أن الحديث عن هذه القضية لا ينبغي أن يُختزل في إطار الضعف الفردي أو الفشل الشخصي، بل يجب فهمه بوصفه تعبيرًا عن ألم نفسي قد يبلغ مستويات خطيرة إذا لم يُكتشف مبكرًا ويُواجه بجدية وكفاءة.

ويرى سرحان أن التعامل مع الانتحار في الأردن ما يزال في كثير من الأحيان أسير ردود الفعل، بدلًا من تبني مقاربة شاملة قائمة على الوقاية والصحة العامة، تقوم على تكامل الأدوار بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، والنظام الصحي، إلى جانب الإطار القانوني والمجتمعي.

ورغم تسجيل الأردن انخفاضًا في معدلات الانتحار بنسبة 17 % منذ عام 2019، وفق معطيات منظمة الصحة العالمية، إلا أن التحديات، بحسب سرحان، ما تزال قائمة، وفي مقدمتها الوصمة الاجتماعية، ومحدودية الموارد، وضعف جمع البيانات المتعلقة بالصحة النفسية.

ويشدد على أن الوقاية من الانتحار ممكنة ، لافتًا إلى أن غالبية من يمرون بأزمات نفسية حادة لا يسعون إلى إنهاء حياتهم بقدر ما يبحثون عن وسيلة لإنهاء الألم.. هؤلاء يحتاجون إلى احتواء وعلاج، لا إلى لوم أو تخويف ، يقول، داعيًا إلى التعامل مع الانتحار كقضية صحية ونفسية واجتماعية، لا كمسألة عقابية.

وفي هذا السياق، يشير إلى أن الأردن يمتلك إطارًا مؤسسيًا يمكن البناء عليه، من خلال الخطة الوطنية للصحة النفسية (2022 2026)، إلى جانب برامج تدريب أطباء الرعاية الأولية على تشخيص الاضطرابات النفسية، إلا أن التحدي يكمن في توسيع هذه الجهود وضمان فعاليتها على أرض الواقع.

ويؤكد سرحان أن تحسين الاستجابة لهذه الظاهرة يتطلب أدوارًا واضحة ومتكاملة من مختلف الجهات. فعلى مستوى الدولة، يدعو إلى توسيع خدمات الصحة النفسية وجعلها متاحة ضمن الرعاية الصحية الأولية، بحيث لا تبقى محصورة في مراكز محدودة أو في المدن الكبرى فقط، مشيرًا إلى أن تدريب الكوادر الصحية خطوة مهمة لكنها بحاجة إلى استمرارية وتقييم.

أما في المستشفيات، فيشدد على ضرورة وجود بروتوكولات واضحة للتعامل مع الحالات المعرضة لخطر مرتفع، تتضمن التقييم النفسي الجاد، وخطط الأمان، والمتابعة المستمرة، بدل الاكتفاء بالتعامل مع الحالات عند لحظة الأزمة.

وعلى مستوى الأسرة، يصفها بـ خط الدفاع الأول ، داعيًا إلى الإصغاء دون أحكام، والتعامل بجدية مع أي مؤشرات على اليأس أو العزلة، في ظل ما يصفه بسوء فهم شائع للمعاناة النفسية في المجتمعات العربية، التي تُفسَّر أحيانًا باعتبارها ضعفًا في الإيمان أو قلة صبر.

كما يحمّل المؤسسات التعليمية، بما.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة
قناة رؤيا منذ 3 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 15 ساعة
خبرني منذ 15 ساعة
خبرني منذ ساعتين
صحيفة الرأي الأردنية منذ 4 ساعات
خبرني منذ 5 ساعات
خبرني منذ ساعتين