بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في مشهد دبلوماسي يتسارع إيقاعه عاما بعد آخر، يبدو أن خريطة المواقف داخل القارة الإفريقية تجاه قضية الصحراء المغربية تعيش تحولا عميقا، عنوانه الأبرز: تراجع مستمر لأطروحة الانفصال مقابل صعود واضح للدعم الإقليمي لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب.
أحدث حلقات هذا التحول تجلت في إعلان مالي سحب اعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية ، في خطوة لا يمكن قراءتها كقرار تقني أو ظرفي، بل كإشارة سياسية قوية صادرة من قلب منطقة الساحل، إحدى أكثر المناطق حساسية من حيث التوازنات الجيوسياسية والأمنية في إفريقيا.
مالي، بما تمثله من ثقل إقليمي وموقع استراتيجي، لم تكن يوما فاعلا هامشيا في هذا الملف. بل ظلت، إلى جانب موريتانيا، تتحرك داخل هامش ضيق فرضته تعقيدات المنطقة وضغوطها. لذلك، فإن انتقالها من منطقة الحياد الملتبس إلى موقف صريح داعم للوحدة الترابية للمغرب، يمثل تحولا نوعيا يتجاوز الرمزية إلى التأثير الفعلي.
هذا التحول يعكس، في جوهره، نجاح المقاربة المغربية القائمة على التدرج، والهدوء، وبناء الشراكات بدل التصعيد. فالمغرب لم يخض معاركه الدبلوماسية بمنطق الصدام، بل بمنطق النفس الطويل، مستثمرا في العمق الإفريقي عبر التعاون الاقتصادي، والانفتاح السياسي، وتعزيز الحضور المؤسساتي.
ولعل ما يمنح هذا التحول بعده الاستراتيجي هو تزامنه مع مراجعات مماثلة داخل دول كانت، إلى وقت قريب، من أبرز داعمي الطرح الانفصالي. فقد سبقت مالي كل من أنغولا وكينيا في سحب اعترافهما، وهو ما يعكس دينامية متصاعدة تعيد تشكيل موازين القوى داخل القارة.
لغة الأرقام بدورها تكشف حجم هذا التحول. ففي ثمانينيات القرن الماضي، كانت نحو أربعين دولة إفريقية تعترف بالكيان الانفصالي، وهو ما مهد لانضمامه إلى منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984. أما اليوم، فقد تقلص هذا العدد بشكل لافت، ليقتصر على ست دول فقط تُعد آخر معاقل الدعم، وهي دول تنتمي في معظمها إلى الفضاء الجنوب إفريقي، حيث لا تزال الحسابات الإيديولوجية والتاريخية تلقي بظلالها على المواقف السياسية.
في المقابل، تتسع دائرة الدول الداعمة للمغرب، ليس فقط عبر سحب الاعتراف، بل أيضا من خلال خطوات عملية تعكس اعترافا فعليا بسيادته على أقاليمه الجنوبية. ويبرز في هذا السياق افتتاح 22 قنصلية في مدينتي العيون والداخلة، في خطوة تحمل دلالات سياسية وقانونية واضحة، وتترجم تحولا من الدعم النظري إلى الحضور الميداني.
هذه القنصليات، التي توزعت بين دول من غرب ووسط وشرق إفريقيا، تعكس تحولا في إدراك العواصم الإفريقية لطبيعة النزاع، ولمصداقية الطرح المغربي القائم على الحكم الذاتي كحل واقعي وعملي.
ورغم هذا التقدم، لا تزال بعض الدول مترددة أو في طور مراجعة مواقفها، مثل إثيوبيا ونيجيريا وتنزانيا وأوغندا، وهي دول تشهد علاقاتها مع المغرب تطورا ملحوظا، ما يرجح إمكانية حدوث تحولات إضافية في المستقبل القريب.
أما موريتانيا، فتواصل تموقعها في خانة الحياد الإيجابي ، غير أن تطورات المشهد الإقليمي، وخاصة بعد خطوة مالي، قد تدفعها إلى إعادة تقييم موقعها، في سياق يتجه تدريجيا نحو تقليص مساحة الغموض.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بتراجع عدد الدول الداعمة للبوليساريو، بل بتحول أعمق في الوعي السياسي الإفريقي، حيث بدأت العديد من الدول تعيد ترتيب أولوياتها انطلاقا من منطق المصالح والاستقرار، بعيدا عن إرث الحرب الباردة والانقسامات الإيديولوجية.
إنه تحول في المعنى قبل أن يكون تحولا في الأرقام تحول يؤكد أن المغرب لم يعد يربح فقط نقاطا دبلوماسية، بل يربح رهانا استراتيجيا في عمقه الإفريقي.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
