الطليعة الشحرية
في لحظة سياسية بدت للوهلة الأولى عابرة، خرجت ميلانيا ترامب عن صمتها بخطاب قصير، محسوب، ومكثّف، لتضع حدًا لما وصفته بـ"الأكاذيب" التي تربطها باسم جيفري إبستين. غير أنَّ هذا الظهور، رغم بساطته الظاهرية، لم يكن مجرد ردّ على شائعات؛ بل تحوّل إلى حدث سياسي ونفسي معقّد أعاد فتح ملف حساس، وطرح تساؤلات عميقة حول موقعها داخل منظومة دونالد ترامب؛ بل وربما حول طبيعة العلاقة نفسها في لحظة ضغط قصوى.
الخطاب، في بنيته اللغوية، كان أقرب إلى بيان قانوني منه إلى خطاب سياسي تقليدي. لم يكن هناك استطراد، ولا عاطفة زائدة، ولا محاولة لاستمالة الجمهور. على العكس، اتسمت اللغة بالصرامة والاقتصاد، وكأن كل كلمة خضعت لمراجعة دقيقة. هذا النوع من الخطاب يعكس ذهنية دفاعية بحتة، لا تسعى إلى الإقناع بقدر ما تسعى إلى الإغلاق: إغلاق باب التأويل، وإغلاق مساحات الشك، وإغلاق أي ربط محتمل بينها وبين القضية. لكن اللافت في هذا السياق ليس فقط ما قيل؛ بل ما تم تجنّبه بعناية. لم يظهر في الخطاب أي بعد جماعي أو شراكة سياسية؛ لم يكن هناك "نحن"؛ بل "أنا" واضحة، مستقلة، ومنفصلة.
هذا التحول من الجماعة إلى الفرد يكتسب دلالة نفسية عميقة. في علم النفس السياسي، يُعد الانتقال من خطاب "الهوية المشتركة" إلى "الهوية الفردية" مؤشرًا على ما يمكن تسميته بـ"فصل السمعة". أي أن المتحدث لا يعود يرى نفسه جزءًا من كيان واحد يجب الدفاع عنه؛ بل ككيان مستقل يجب حمايته، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين. وهنا تحديدًا تكمن حساسية خطاب ميلانيا؛ إذ لم يكن دفاعًا عن موقعها كزوجة للرئيس؛ بل كفرد يواجه خطرًا مباشرًا على سمعته الشخصية.
لغة الجسد عزّزت هذا الانطباع بدل أن تخففه. الوقفة الصلبة، والفك المشدود، والنظرة الثابتة التي لا تبحث عن تعاطف؛ بل تفرض حضورًا، كلها عناصر تشير إلى حالة من السيطرة العالية الممزوجة بتوتر داخلي مضبوط. لم تكن هناك ابتسامة، ولا محاولة لتلطيف الأجواء، ولا حتى إشارات غير لفظية تدل على انفتاح أو مرونة. هذا النمط الجسدي غالبًا ما يُستخدم في المواقف التي يكون فيها الهدف هو فرض رواية محددة، لا الدخول في حوار. حتى لحظة الانسحاب من المنصة جاءت سريعة وحاسمة، وكأن الرسالة قد أُرسلت ولا حاجة لأي إضافة.
غير أن فهم هذا الأداء لا يكتمل دون وضعه في سياق رمزي أوسع، يتجاوز اللحظة إلى البنية التي تتحرك داخلها ميلانيا. فإعجابها بجاكلين كينيدي لا يُقرأ بوصفه تقليدًا مباشرًا بقدر ما يُفهم كاستلهام واعٍ لنموذج راسخ في الوعي الأمريكي. فجاكلين لا تمثل مجرد سيدة أولى سابقة؛ بل أيقونة مركّبة تجمع بين الأناقة الهادئة، والقدرة على ضبط المشاعر في لحظات الانكسار، وصناعة صورة عامة تقوم على الصمت المدروس أكثر من الخطاب الصاخب. هذا الرمز، الذي تشكّل في لحظة تاريخية مأساوية وارتبط باسم جون كينيدي، تحوّل إلى معيار ثقافي للهيبة الأنثوية في السياسة، يمنح أي شخصية تستحضره غطاءً من الشرعية الرمزية والقبول الجماهيري.
ومن اللافت أن هذا البُعد الرمزي يمتد، بشكل غير مباشر، إلى المقارنة بين كينيدي وترامب نفسيًا وإعلاميًا. فرغم عدم وجود دليل على إعجاب دونالد ترامب بكينيدي، يظهر تشابه غير مقصود في فكرة "الأيقونة". كينيدي تحوّل إلى رمز بفعل النهاية التي جمّدت صورته، بينما يبني ترامب أيقونيته على العكس تمامًا، عبر الاستمرار والحضور الإعلامي الكثيف. وبينما مثّل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
