تصاعدت مؤشرات التوتر بين بغداد وواشنطن، بعد استدعاء السفير العراقي في الولايات المتحدة، في خطوة لم تعد تُقرأ ضمن الإطار البروتوكولي، بقدر ما تعكس تحولاً في طبيعة التعاطي الأمريكي مع الملف العراقي، وسط ضغوط متزايدة لإعادة ضبط المشهد الأمني وكبح نشاط الفصائل المسلحة.
ويأتي هذا التطور بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت مواقع دبلوماسية وعسكرية داخل العراق، بينها محيط مطار بغداد الدولي ومركز الدعم الدبلوماسي، في وقت تتحدث فيه واشنطن عن مئات الهجمات خلال الأسابيع الماضية، طالت مصالحها ومواطنيها داخل العراق وخارجه، إضافة إلى منشآت مدنية ومرافق حيوية.
وبحسب مراقبين، فإن استدعاء السفير العراقي في واشنطن يمثل رسالة سياسية مزدوجة، تتضمن تحميل الحكومة العراقية مسؤولية الإخفاق في حماية البعثات الدبلوماسية، إلى جانب التلويح بإجراءات تصعيدية قد تتدرج من الضغوط السياسية إلى أدوات اقتصادية وأمنية، في حال استمرار الهجمات دون معالجة فعلية.
بدوره قال الباحث في الشأن السياسي علي الحبيب إن استدعاء السفير العراقي لا يمكن فصله عن سياق التصعيد الأخير، إذ يعكس بوضوح أن العراق بات أمام مفترق طرق استراتيجي، في ظل الضربات التي طالت المصالح الدبلوماسية الأمريكية، والتي تنسبها واشنطن إلى فصائل مسلحة مرتبطة بإيران
وأضاف الحبيب لـ عراق أوبزيرفر أن هذه التطورات ليست حوادث معزولة، بل تعبير عن خلل مزمن في بنية الدولة، يتمثل في مصادرة قرار السلم والحرب من قبل جهات خارج الإطار الرسمي، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تحميل الحكومة مسؤولية مباشرة، خصوصاً مع الحديث عن وجود غطاء سياسي ومالي لبعض هذه الجماعات
وتشير المعطيات إلى أن الخطاب الأمريكي بدأ يميل نحو التشدد، بعد مرحلة طويلة من استيعاب تعقيدات الداخل العراقي، حيث تتزايد الدعوات داخل واشنطن لإعادة تقييم العلاقة مع بغداد، وربط استمرار التعاون الأمني والاقتصادي بمدى قدرة الحكومة على فرض سيطرتها على الملف الأمني.
ويؤكد الحبيب أن العراق اليوم أمام خيارين واضحين، الأول يتمثل بإجراء إصلاح أمني جذري يعيد هيكلة المؤسسة الأمنية ويضع السلاح بيد الدولة، بما يشمل دمج أو تفكيك الفصائل الخارجة عن السيطرة، وهو ما يعزز السيادة الوطنية ويعيد التوازن في العلاقة مع الشركاء الدوليين .
وتابع أن الخيار الثاني هو الاستمرار في حالة التساهل مع ما يمكن وصفه بدول موازية داخل الدولة، وهو ما قد يقود تدريجياً إلى عزلة دولية وفرض عقوبات، خصوصاً من الجانب الأمريكي، بما ينعكس على الدعم العسكري والاقتصادي ويعقّد بيئة الاستثمار في العراق
وتتزايد المخاوف من انتقال العلاقة بين بغداد وواشنطن إلى مرحلة إعادة تعريف ، قد يفقد فيها العراق موقعه كشريك استراتيجي، لصالح مقاربة تقوم على تقليص التعاون وفرض شروط أكثر صرامة، خاصة مع تصاعد الضغوط الإقليمية المرتبطة بحرب الولايات المتحدة وإيران.
كما يربط مراقبون بين استدعاء السفير وتصاعد التحذيرات الأمريكية الأخيرة، التي أشارت إلى عجز الحكومة العراقية عن منع الهجمات التي تنطلق من أراضيها، بل ووجود عناصر تحمل وثائق رسمية، في إشارة إلى تعقيد المشهد الأمني وتداخل الأدوار بين الدولة والفصائل.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
