التنمّر في المدارس ليس مجرد سلوك عابر أو موقف عاطفي مؤقت، بل ظاهرة خطيرة تمتد آثارها إلى أعماق النفس، وقد ترافق الإنسان سنوات طويلة دون أن تُرى بالعين، المدرسة التي يُفترض أن تكون بيئة أمان واحتواء، قد تتحول في بعض الحالات إلى مصدر قلق وخوف، حين يغيب الوعي وتضعف المسؤولية، ويُسمح لسلوكيات جارحة أن تنمو دون رادع، حين نتحدث عن التنمر، يتبادر إلى الأذهان فورًا تنمّر الطلاب فيما بينهم: السخرية، الإقصاء، إطلاق الألقاب، أو حتى الاعتداء اللفظي والجسدي. وهذا بلا شك جانب مؤلم وخطير، لكن ما هو أشد خطرًا وأعمق أثرًا، هو التنمّر الذي قد يصدر من بعض المعلمين والمعلمات أنفسهم. ذلك لأن مصدر الأذى هنا ليس زميلًا مساويًا، بل شخصًا يمثل سلطة، وقدوة، ومرجعًا نفسيًا وعلميًا للطالب، المعلم ليس مجرد موظف يؤدي عمله، بل هو صانع وعي، وباني شخصية، كلماته لا تُسمع فقط، بل تُصدَّق وتُخزَّن في أعماق الطالب، لذلك، حين يُطلق المعلم عبارة مثل: «أنت ضعيف»، أو «لن تفلح»، أو حين يسخر من إجابة طالب أمام الآخرين، فإن الأثر لا يتوقف عند لحظة الضحك أو الإحراج، بل يمتد ليصنع صورة ذهنية سلبية لدى الطالب عن نفسه. هذه الصورة قد تتحول مع الوقت إلى قناعة راسخة: «أنا لا أستطيع»، «أنا أقل من الآخرين»، «لا فائدة من المحاولة»، الطالبة التي تُحرج أمام زميلاتها قد تختار الصمت الدائم، ليس لأنها لا تعرف الإجابة، بل لأنها تخشى الألم النفسي المصاحب للمحاولة. والطالب الذي يُقارن باستمرار بغيره قد يفقد ثقته بنفسه، ويتحول من شخص طموح إلى شخص منسحب، يرى أن النجاح حكر على الآخرين. وهنا تتجلى أخطر نتائج التنمّر: ليس فقط إضعاف التحصيل الدراسي، بل قتل الدافعية، وخنق الطموح، وتشويه صورة الذات، والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد ليؤثر على المناخ العام داخل الفصل. فعندما يرى الطلاب أن المعلم نفسه يسخر أو يقلل من أحدهم، فإنهم يتلقون رسالة غير مباشرة بأن هذا السلوك مقبول. بل قد يشعر البعض بأن لديهم «إذنًا ضمنيًا» لممارسة التنمّر على زملائهم. وهكذا، يتحول الفصل إلى بيئة غير آمنة، تنتشر فيها القسوة بدلًا من الاحترام، والخوف بدلًا من الفضول، ومن الناحية النفسية، فإن آثار هذا النوع من التنمّر قد تكون عميقة جدًا، فقد يعاني الطالب أو الطالبة من القلق المستمر، أو الانعزال، أو ضعف الثقة بالنفس، وقد تتطور الحالة إلى اكتئاب أو كره للمدرسة بشكل عام. والأسوأ من ذلك أن بعض هذه الجروح النفسية لا تندمل بسهولة، بل تبقى عالقة في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
