كيف يوظف قانون البحار في صراعات المضائق؟

تعدّ المضائق شرايين الحياة في جسد التجارة والصناعة العالمية، فمنها تمرّ شحنات الطاقة وسلاسل التوريد التي تغذي مختلف مجالات الصناعة، وعليها تعتمد أشكال التجارة المتنوعة في شتى قارات العالم.

كما أنها أيضا ممرات حيوية للقوى البحرية الكبرى التي تعتمد على الانتشار البعيد عن شواطئها، إذ يؤثر التحكم فيها أو حرمان الخصم من استخدامها في توازن القوى البحري. لذلك يرتبط أمن المضائق عادة باستراتيجيات الدفاع الوطني وبتفاهمات دولية تسعى إلى ضمان حرية المرور ومنع استخدام الإغلاق البحري وسيلة للضغط السياسي أو العسكري.

ونظرا للأهمية الاستراتيجية الفائقة لهذه الممرات المائية، فقد باتت أدوات ضغط جيوسياسية مؤثرة في أيدي الدول المطلة عليها، تستغلها في أوقات الأزمات أو الصراعات وتحقق منها مكاسب سياسية أو عسكرية، فضلا عن الاقتصادية، وعادة ما تكون ملفات شائكة في أوقات الأزمات الدولية.

ويتخذ إغلاق المضائق أشكالا متعددة تتجاوز المفهوم التقليدي للحصار العسكري، ويكون منها ما يعتمد على وسائل خشنة أو ناعمة، سواء كانت هذه الوسائل قانونية أو غير مشروعة. وتمتد تداعيات إغلاق المضائق لتطال الاقتصاد العالمي بأسره، بسبب رفع تكاليف الشحن وزيادة معدلات التضخم، فضلا عن تأخر وقت الوصول وتعطل دورة الإنتاج.

كيف تغلق الدول مضائقها

وتتراوح الطرق التي قد تتبعها دولة لإغلاق مضيقٍ ما بين العسكرية المادية، والقانونية والتنظيمية، والاقتصادية، والطرق الناعمة أو الرمادية.

أ. الوسائل العسكرية المادية

الألغام البحرية: زرع ألغام بحرية تلامسية (Contact) أو مغناطيسية أو صوتية في المضيق، بهدف تدمير السفن أو خلق مناطق محظورة، دون حاجة إلى وجود بحري كثيف أو اشتباك مباشر. وقد طبقت الولايات المتحدة هذا الأسلوب في ميناء هايفونغ (Hai Phong) بشمال فيتنام عام 1972 ضمن عملية مال الجيب (Pocket Money)، مما أدى إلى تعطيل استخدام الميناء لفترة طويلة، وأخضع حركة السفن لاعتبارات تفاوضية.

الحصار البحري والتحصينات الساحلية: نشر أساطيل بحرية وغواصات ومدفعية ساحلية ومنصات صاروخية على ضفتي المضيق، لتطويق الممر ومنع عبور سفن الخصم أو إخضاعه للتفتيش. وشهد مضيق الدردنيل عام 1915 خلال الحرب العالمية الأولى مثالا مبكرا على توظيف المدفعية الساحلية والألغام في وجه أساطيل الحلفاء عند محاولة اختراق الدفاعات العثمانية.

الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة: تُستخدم الصواريخ الجوالة والبالستية المضادة للسفن، إلى جانب الطائرات المسيّرة الهجومية والزوارق المفخخة غير المأهولة، لخلق مناطق منع دخول في جوار المضائق. ومن الأمثلة على ذلك استهداف جماعة أنصار الله للسفن العابرة في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023، في ما عُرف بأزمة البحر الأحمر.

الاستيلاء على السفن وتوقيفها: تقوم بعض الدول باعتراض السفن الأجنبية، والصعود على متنها، واحتجازها أو تغيير مسارها إلى موانئها. فمثلا قامت إيران، عام 2019، باحتجاز الناقلة البريطانية ستينا إمبيرو (Stena Impero) في مضيق هُرمُز.

صيادون يمنيون يمرون بجانب سفينة تجارية في مضيق باب المندب (أسوشيتد برس)

ب. الوسائل القانونية والتنظيمية

الإغلاق استنادا إلى معاهدات دولية: تستند بعض الدول إلى اتفاقات خاصة تمنحها سلطة تقييد مرور السفن الحربية في أوقات الحرب أو الخطر الداهم.

وتبرز في هذا السياق اتفاقية مونترو لعام 1936 التي نظمت المرور في المضائق التركية (البوسفور والدردنيل)، وسمحت لتركيا عام 2022 بتقييد عبور السفن الحربية الروسية والأوكرانية خلال الحرب الدائرة في أوكرانيا.

التشريعات الداخلية وادعاء المياه الداخلية: تعمد دول أخرى إلى سن قوانين داخلية تعيد توصيف بعض المضائق الدولية كمياه داخلية، أو تفرض أنظمة ترخيص مسبق على المرور، بما يتعارض مع نظام المرور العابر المقرر في اتفاقية قانون البحار.

وقد سعت روسيا -عبر اتفاقات ثنائية وتنظيمات خدمة حركة السفن- إلى إحكام سيطرتها على مضيق كيرتش في الفترة 2003-2018، وربطت عبور السفن بإجراءات ترخيص وإرشاد خاصة.

إعلان المضيق منطقة عسكرية: يمكن للدول أن تفرض إغلاقا فعليا أو تخلق مخاطر ملاحية عبر الإعلان عن مناورات عسكرية ومناطق خطرة في مياه مزدحمة.

وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني في مارس/آذار 2026 أن مضيق هُرمُز مغلق بحكم الواقع وغير آمن للملاحة عقب ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية.

تأويل القوانين: تلجأ بعض الدول إلى استثمار الغموض في القانون البحري، بالادعاء أن المضيق يخضع لنظام العبور البريء وليس عبور المار غير المقيد.

يسمح هذا التفسير للدول الساحلية بتعليق المرور أو فرض شروط إضافية إذا رأت أن أنشطة سفينة ما تمسّ أمنها. وتتمسك إيران مثلا بأن نظام عبور المار ليس من القانون العرفي، وتطالب السفن التابعة لدول غير أطراف في اتفاقية قانون البحار -مثل الولايات المتحدة- بقواعد العبور البريء في مضيق هُرمُز.

ج. الوسائل الاقتصادية

سحب التغطية التأمينية ورفع أقساط المخاطر: قد يتحقق "إغلاق فعلي" للمضيق من خلال ارتفاع مستوى المخاطر إلى حد يجعل شركات التأمين تلغي تغطية مخاطر الحرب أو ترفع أقساطها إلى مستويات باهظة (مثل 1% من قيمة هيكل السفينة أو أكثر)، عندئذ يفضل ملاك السفن وشركات الشحن تجنب ذلك الممر.

وقد شهد مضيق هُرمُز في أوائل 2026 انهيارا في نسبة العبور بعد سحب عدد من أندية شركات الحماية والتعويض تغطية مخاطر الحرب على خلفية الضربات العسكرية المتبادلة بين.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 57 دقيقة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
خبرني منذ ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 14 ساعة
خبرني منذ 21 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 4 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 15 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 4 ساعات
خبرني منذ 9 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 14 ساعة