صباح هذا اليوم، 13 ابريل 2026، كنت على متن رحلة جوية متجهة الى القاهرة.
كانت المضيفة تبسط المنديل الابيض لتقديم الوجبة، فيما اعلن قائد الطائرة اننا نحلق فوق الجزائر.
من النافذة، بدت الارض ممتدة بلا حدود واضحة؛ تختفي الخطوط، ويبدو المجال مفتوحا بلا قيود.
لكن على الارض، الامر مختلف. فـ العقيد لطفي ليس مجرد اسم ممر حدودي مغلق بل اختزال لهوية نظام.
في اللحظة نفسها، كان البابا يحط في العاصمة، وكان واضحا ان الاستقبال يتجاوز البروتوكول الى ما يشبه التبرك الرمزي بزيارة نادرة.
في ظاهرها، الزيارة رسمية، محكومة ببرنامج دقيق وبروتوكول مضبوط.
لكن في جوهرها، هي اقل من حدث سياسي واكثر بقليل من زيارة عادية.
فالجزائر لم تكن، تاريخيا، مركزا في الجغرافيا الدينية، ولم تعرف تقليدا مستقرا للزيارات البابوية.
اكثر من مائتي بابا تعاقبوا على الكنيسة الكاثوليكية، دون ان تكون الجزائر ضمن محطاتهم.
وهذا ما يجعل من هذه الزيارة استثناء يكشف حجم الغياب.
المعروف ان البابا -لاوون-الرابع عشر (روبيرت فرنسيس بريفوست) ينتمي الى المدرسة الاوغسطينية، واوغسطين يعد احد ابرز مفكري المسيحية، عاش في شمال افريقيا عندما كانت هذه الارض جزءا من العالم الروماني، قبل ان تتحول لاحقا الى دولة في سياق تاريخي مختلف.
بهذا المعنى، تبدو زيارته اقرب الى استعادة مرجعية فكرية منها الى بناء موقع سياسي جديد. فرغم كل ما يحيط بها من مظاهر رسمية، لا ترقى الى مستوى حدث بابوي يؤسس لمرحلة او يفتح افقا استراتيجيا.
انها، في رمزيتها، اقرب الى عودة شخصية الى اثر قديم، او مقام روحي يعرفه صاحبه.
شيء يشبه، في الذاكرة الجماعية، زيارات عدد من المسلمين الى اضرحة اولياء الله الصالحين، ارتبطوا بالمكان اكثر مما ارتبطوا بشيء اخر.
فكما يشد الرحال الى سيدي احمد التجاني نزيل فاس، او كما يقصد اليهود موسم الحاخام ربي عمران بن ديوان في وزان، في اواسط شهر ماي،
حيث تكون الزيارة، في جوهرها، صلة بالمعنى، لا بالحدث.
لكن هذه القراءة الرمزية لا تلغي سؤالا اساسيا: ماذا عن الحاضر؟
فالبابا، بخطابه المعروف، يضع الانسان في مركز الاهتمام: الكرامة، الحرية، الحق في الاختيار. وهنا تتحول الزيارة الى اختبار.
ففوق التراب الجزائري، وتحت مسؤولية سلطاته المباشرة، توجد اوضاع انسانية لا يمكن القفز عليها، وفي مقدمتها وضعية مخيمات تندوف، حيث يعيش الاف الاشخاص محتجزين في ظروف تطرح اسئلة جدية حول اساسيات الحياة من صحة وتعليم وتغذية وتنقل وامان وعلاقات اسرية.
وهذا ليس نقاشا سياسيا فقط بل هو، قبل ذلك، سؤال انساني واخلاقي.
قد لا تطرح هذه القضايا بشكل مباشر خلال الزيارة، لكن السياق يجعلها حاضرة بقوة.
بهذا المعنى، تتحول الزيارة من حدث بروتوكولي الى لحظة اختبار سياسي واخلاقي في الان نفسه.
قد تمر الزيارة بهدوء، لكن اثرها الحقيقي لن يقاس بما قيل فيها، بل بالاسئلة التي تثيرها، خاصة حين يتعلق الامر بزيارة تحمل بعدا انسانيا واضحا.
وفي النهاية، تبقى المفارقة قائمة بين ماض يعرفه روبيرت فرنسيس بريفوست جيدا، وقد زاره من قبل، وحاضر نظام يطرح اسئلة لا يمكن تجاهلها.
وما كل شيء يقال وما لا يقال،يفهم.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
