عاجل - استقرار الخليج: من مسألة إقليمية إلى ضرورة للنظام الدولي

في لحظة دولية تتسارع فيها التحولات وتتعقد فيها موازين القوى، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل ما زال استقرار الخليج مسألة إقليمية قابلة للإدارة، أم أنه أصبح شرطاً لاستقرار النظام الدولي بأسره؟

في الخليج، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والتاريخ مع الطموح والاستثمار في المستقبل، لم يعد الاستقرار خياراً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة وجودية تفرضها تحولات الإقليم ومصالح العالم. فهذه المنطقة، التي شكّلت لعقود قلباً نابضاً للطاقة والاقتصاد العالمي، عاشت أيضاً على إيقاع توترات متكررة جعلت من السلام هدفاً مؤجلاً أكثر منه واقعاً راسخاً.

ولعلّ ما يزيد من حساسية اللحظة الراهنة أن أي اهتزاز جديد في هذا الإقليم لا يُقاس فقط بتداعياته السياسية أو الأمنية، بل بارتداداته المباشرة على حياة الناس: في أسعار الطاقة، وفي مسارات التنمية، وفي مشاعر الأجيال القادمة المتضاربة بين اليقين والقلق.

واليوم، بالتزامن مع وقف إطلاق النار الهش بعد 5 أسابيع من الفوضى، تقف دول الخليج أمام لحظة مفصلية: إما إعادة إنتاج الأزمات بصيغ مختلفة، أو الشروع في بناء مسار جديد يقود إلى استقرار مستدام. وفي هذا السياق، لا يكمن التحدي في غياب قنوات الحوار، وإنما في القدرة على تحويلها إلى التزامات مستقرة لا تتآكل مع الزمن.

وكما قال الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي أنان: "لا يوجد طريق إلى السلام، فالسلام هو الطريق"، وهي عبارة تكتسب دلالة خاصة في سياق العلاقة المعقّدة مع إيران، حيث لم يكن التحدي يوماً في غياب قنوات الحوار، بل في غياب القدرة على تحويلها إلى التزامات مستقرة قابلة للاستمرار.

أي اتفاق مع إيران: تسوية مؤقتة أم بداية استقرار تاريخي؟ أثبتت التجارب خلال العقود الماضية أن أي اتفاق مع إيران، مهما بدا واعداً في لحظته السياسية، يبقى هشّاً إذا لم يُبنَ على أسس تعالج جذور التوتر وتعيد صياغة قواعد التفاعل في منطقة الخليج.

فالأمن في هذه المنطقة لا يمكن أن يقوم على توازنات مؤقتة أو تفاهمات ظرفية، لأن مثل هذه المقاربات غالباً ما تؤجل الانفجار ولا تمنعه.

واليوم، وبعد فشل جولة المفاوضات المعقدة والمباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، يترقب العالم جولة جديدة بحثاً عن فرصة للتهدئة، ولكن أيضاً لاختبار قوة الإرادات من جديد. فهل نحن أمام اتفاق جديد يُضاف إلى سجل التسويات المؤقتة، أم أمام إمكانية فعلية لإرساء قواعد استقرار أكثر صلابة واستدامة في الخليج؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على التوصل إلى اتفاق بحد ذاته، بقدر ما ترتبط بطبيعته ومضمونه. وهنا تحديداً يكمن التحدي الحقيقي المتمثل في كيفية تحويل لحظة التفاوض من إدارة أزمة إلى صناعة استقرار.

أولاً: لا بدّ من إشراك دول الخليج كشريك رئيسي في صياغة أي اتفاق مع إيران

لا يمكن لأي اتفاق يسعى إلى تحقيق استقرار مستدام في الخليج أن يُبنى بمعزل عن دوله أو أن يُفرض عليها كأمر واقع، حيث أثبتت التجارب السابقة أن تغييب الأطراف المعنية مباشرة عن طاولة التفاوض يفضي إلى اتفاقات هشة تفتقر إلى الشرعية الإقليمية، وقد تعيد فتح الباب أمام تصعيد جديد في أي لحظة.

ومن هنا، يصبح إشراك دول الخليج كشريك فاعل، وليس فقط كمراقب، شرطاً أساسياً لضمان استيعاب هواجسها الأمنية، وبناء تفاهمات تعكس توازن المصالح لا اختلالها. فالاستقرار الذي لا تشارك في صناعته الدول المعنية به، يبقى استقراراً نظرياً أكثر منه واقعاً قابلاً للاستمرار.

ثانياً: من الضروري تجاوز الإطار الضيق للاتفاق النووي مع ضمان منع الانتشار النووي

لم يعد حصر أي اتفاق مع إيران في البعد النووي، كما كان الحال في التجارب السابقة، كافياً لمعالجة تعقيدات المشهد الأمني، لا في الخليج ولا في العالم، ذلك أن مصادر التوتر لم تعد مرتبطة بالبرنامج النووي فحسب، بل تمتد إلى قضايا أوسع تشمل السياسات الإقليمية، وأدوات النفوذ غير المباشر، وأنماط التأثير العابرة للحدود.

ومع ذلك، يبقى البعد النووي عنصراً محورياً لا يمكن تجاهله، إذ إن ضمان عدم تحوّل هذا البرنامج إلى مسار عسكري يشكّل شرطاً أساسياً لأي استقرار طويل الأمد.

ومن هنا، يجب أن تجمع أي مقاربة جادة بين هدفين متكاملين، وهما منع الانتشار النووي بشكل صارم وقابل للتحقق، إلى جانب توسيع نطاق الاتفاق ليشمل مختلف عناصر عدم الاستقرار الإقليمي.

ثالثاً: يجب ضبط أدوات القوة غير التقليدية كشرط حاسم للاستقرار

لا يمكن أن يحقق أي اتفاق مع إيران استقراراً فعلياً في الخليج ما لم يتضمّن معالجة واضحة وملزمة لأدوات القوة غير التقليدية، وفي مقدمتها برامج الصواريخ الباليستية وأدوات النفوذ الإقليمي عبر الفاعلين غير الدوليين.

فقد أثبتت التجارب أن تجاهل هذه الملفات يُفرغ أي اتفاق من مضمونه، ويُبقي عوامل عدم الاستقرار قائمة وقابلة للتصعيد مجدداً في أي لحظة.

وعليه، لا بد أن ينصّ أي اتفاق جاد على التزامات محددة، وآليات رقابة صارمة، وترتيبات قابلة للتحقق، تضمن ضبط هذه القدرات والحد من استخدامها خارج الأطر السيادية للدول. فغياب هذا البعد لا يؤدي فقط إلى هشاشة الاتفاق، وإنما يكرّس بيئة أمنية غير مستقرة، لا تتأثر فقط بتوازن القوى، بل أيضاً بقدرة الفاعلين على تجاوز قواعد الدولة نفسها.

من الشك إلى الضمانات: اختبار مصداقية أي اتفاق مع إيران الحقيقة هي أن التحدي لا يكمن فقط في التوصل إلى اتفاق مع إيران، بل أيضاً في القدرة على تحويل هذا الاتفاق إلى بداية مختلفة في تاريخ المنطقة، حيث لا يُبنى الاستقرار على لحظة توقيع، بل على تراكم الثقة والالتزام والقدرة على الصمود أمام الاختبارات. وهنا تكمن المعضلة الأساسية، وهي أن الثقة لا تُبنى بالنوايا، بل بالضمانات.

إن تداعيات أي اتفاق هش أو غير مكتمل لن تبقى محصورة في جغرافيا الخليج، فالعالم اليوم مترابط على نحو يجعل استقرار هذه المنطقة جزءاً لا يتجزأ من استقرار النظام الدولي.

وعليه، لن تُقاس كلفة الفشل فقط بتوترات إقليمية، بل بارتدادات تمس أمن الطاقة، واستقرار الاقتصاد العالمي، وتوازن القوى الدولية.

وفي هذا السياق، لم يعد مسار الاستقرار شأناً إقليمياً خالصاً، بل مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها مصالح القوى الدولية الكبرى، من الولايات المتحدة إلى الصين، مروراً بالاتحاد الأوروبي، وكلها أطراف باتت تدرك أن استقرار الخليج لم يعد خياراً سياسياً، وإنما ضرورة لحماية توازن النظام الدولي ذاته.

إن منطقة الخليج تبحث عن لحظة تحوّل تعيد تعريف معنى الاستقرار ذاته، لحظة تنتقل فيها من إدارة الأزمات إلى تجاوزها، ومن التهدئة المؤقتة إلى بناء توازن قابل للاستمرار، فهي لا تبحث عن اتفاق جديد يُضاف إلى سجل التسويات.

ذلك أن التاريخ لا يُخلّد كثرة الاتفاقات، بل يُخلّد تلك اللحظات التي قررت فيها الدول كسر منطق الصراع وإعادة صياغة قواعد المستقبل.

واليوم، وفي ظل هذه اللحظة الحرجة، لا يبدو الرهان مجرد توقيع اتفاق، وإنما اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية: فإما استقرار يُبنى على أسس صلبة وواضحة، وإما إعادة إنتاج لدورة من التوتر قد تكون أكثر كلفة وتعقيداً من كل ما سبقها.

وكما قال جون كينيدي: "لا ينبغي لنا أن نتفاوض بدافع الخوف، لكن لا ينبغي لنا أيضاً أن نخاف من التفاوض". لذا لم يعد يكمن التحدي الحقيقي اليوم في التفاوض بحد ذاته، بل في ما إذا كانت هذه القوى الإقليمية والدولية مستعدة لتحويله إلى التزام تاريخي يُنهي منطق الأزمات، لا أن يعيد تدويرها.

ففي لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إدارة الأزمات.. بل بقدرتها على إنهائها.


هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من قناة المشهد

منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 16 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 18 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 14 ساعة
سكاي نيوز عربية منذ 5 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 7 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 9 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 13 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 7 ساعات