التنظيم الأخضر وحدود الجاهزية الاقتصادية

ليس كل اختلاف تنظيمي اختلافًا في المبادئ. وأحيانًا، لا يكون الفارق بين نموذج وآخر في مقدار الإيمان بالاستدامة، بل في مقدار ما يستطيع الاقتصاد احتماله منها.

من هنا، تبدو المقارنة بين أوروبا وكندا أبعد من مجرد مقارنة بين إطارين في التمويل المستدام. فهي، في جوهرها، مقارنة بين سوقين مختلفتين في البنية، وقطاعين مختلفين في درجة النضج، واقتصادين لا يقفان في الموضع نفسه من رحلة التكيف مع التحول الأخضر. ولهذا، فإن ما تقوله القواعد هنا لا يعبّر فقط عن تصور قانوني أو تنظيمي، بل يكشف أيضًا عن حقيقة اقتصادية أعمق: كل سوق تصوغ استدامتها على قدر ما تسمح به بنيتها.

في أوروبا، جاء التنظيم ليعرّف ما الذي يمكن أن يُعترف به بوصفه نشاطًا مستدامًا بيئيًا. وهذا ليس تفصيلًا فنيًا، بل إعلان عن مرحلة متقدمة من النضج السوقي. فعندما تصل السوق إلى درجة من الاتساع والتعقيد تجعلها بحاجة إلى تعريف قانوني منضبط للاستدامة، فذلك يعني أنها تجاوزت مرحلة الحماسة العامة، ودخلت مرحلة الفرز. لم يعد السؤال هناك: هل نريد اقتصادًا أكثر استدامة؟ بل أصبح: ما الذي يستحق، بمعيار قانوني وفني، أن يدخل أصلًا تحت هذا الوصف؟

هذه ليست لغة أسواق لا تزال تختبر الفكرة، بل لغة أسواق بدأت تنظمها. ولذلك بدا النموذج الأوروبي أكثر صرامة، وأكثر ميلًا إلى الانضباط القانوني، وأكثر ارتباطًا بالشفافية والإفصاح وتقليل مساحة الادعاء. فالسوق التي قطعت شوطًا أطول في بناء أدواتها الخضراء، وفي مواءمة جزء معتبر من نشاطها مع متطلبات التحول، تصبح أقدر على أن تطالب بحدود أوضح، ومعايير أدق، وتعريفات أقل تساهلًا.

أما كندا، فتبدو وكأنها تتحرك من موضع مختلف. ليس لأنها أقل وعيًا، ولا لأن طموحها البيئي أدنى بالضرورة، بل لأن سؤالها الاقتصادي مختلف. هي لا تقف أمام اقتصاد يسهل فرز أنشطته بين ما هو أخضر وما هو غير أخضر، بل أمام اقتصاد أكثر التصاقًا بقطاعات الموارد والطاقة والأنشطة الأعلى انبعاثًا. ومن هنا، يصبح التنظيم أقل انشغالًا بتعريف الاستدامة المكتملة، وأكثر انشغالًا بصياغة الانتقال الممكن. هذا الفارق جوهري.

فأوروبا تقدّم معيارًا لما يمكن الاعتراف به بوصفه نشاطًا مستدامًا بيئيًا. أما كندا، فتبدو أقرب إلى محاولة بناء معيار لما يمكن إبقاؤه داخل دائرة التمويل أثناء التحول.وما بين الصيغتين مسافة واسعة في المنطق. الأولى تعبّر عن اقتصاد يقترب من لحظة الفرز الأخضر. والثانية تعبّر عن اقتصاد لا يزال بحاجة إلى أن يجعل انتقاله نفسه قابلًا للتمويل.

لهذا، فإن الحديث عن الاستثمار الانتقالي في الحالة الكندية ليس مجرد مرونة تنظيمية، بل انعكاس مباشر لبنية السوق. فحين يكون الاقتصاد أكثر اعتمادًا على قطاعات يصعب إخراجها سريعًا من المشهد، لا يعود ممكنًا بناء التنظيم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الاقتصادية

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 14 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 22 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 17 ساعة