لم تعد الجماعات الإرهابية مجرد تنظيمات متطرفة خرجت عن السيطرة، بل أصبحت سلاحًا لصناعة الفوضى وتفجير الدول العربية من الداخل، تمهيدًا لتفكيكها وإعادة تقسيمها وفق خرائط جديدة، مستندة فى هذا النهج الخبيث إلى كراهية عميقة ومتأصلة داخل فكر ومنهج تلك الجماعات يعادى الدولة الوطنية، بل ويكره فكرة الوطن بحد ذاتها، ويحاول انتهاز كل الفرص المتاحة لخدمة مشاريع الهيمنة الخارجية وتفكيك وتخريب الأوطان، فهذه الجماعات لا تستطيع العمل إلا فى مناخ الفوضى، ولا تجد لنفسها حضورا إلا فى مشهد الخراب.
فى كل دولة دخلتها هذه الجماعات، تكرر نفس المشهد: انهيار المؤسسات، حرب أهلية، انقسام طائفى، واستنزاف الجيش والاقتصاد. ومع تمدد الإرهاب، تتقدم مشاريع التقسيم خطوة بعد خطوة تحت شعارات دينية زائفة، بينما تتحول الشعوب إلى وقود لصراعات بلا نهاية. ويرى متخصصون أن ما يحدث ليس عشوائيًا، بل تنفيذ عملى لمخطط «الشرق الأوسط الجديد» الذى يقوم على تفتيت الدول وتحويلها إلى كيانات ضعيفة متصارعة. وفى النهاية، يبقى المستفيد الأكبر هو إسرائيل التى ترى فى انهيار الدول العربية ضمانًا لتفوقها الإقليمى وسيطرتها على المنطقة.
فى البداية يحذر الدكتور جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، من الخطورة المتزايدة التى تشكلها الجماعات الدينية والطائفية على المشروعات القومية والنهضوية فى المنطقة العربية. وأوضح أن هذه الجماعات تعمل كـ «أدوات وظيفية» تخدم أجندات خارجية تستهدف تفتيت النسيج الوطنى للدول، وتحويلها إلى مجرد «كانتونات» متصارعة.
الفوضى الخلاقة
ويضيف سلامة أن ما يشهده الشرق الأوسط حالياً هو امتداد لسياسة «الفوضى الخلاقة» التى طرحتها الإدارة الأمريكية سابقاً عبر كوندوليزا رايس، والتى استندت إلى أفكار أكاديميين أمريكيين مثل «بارى بوزان» و»ويليام زارتمان»؛ اللذين تحدثا عن مفهومى «نضج الفوضى» و«المأزق الضار المتبادل».
ويشير إلى أن المؤامرة انتقلت الآن إلى مرحلة أكثر خطورة تُعرف بـ «نضج الفوضى» (Ripeness of Chaos)؛ وهى نظرية أكاديمية سياسية تقوم على فكرة أنه فى حال تعذر التحكم فى نزاع ما، يتم إحداث حالة من الفوضى الشاملة حتى «تنضج» الظروف لصالح القوى الخارجية، التى تتدخل حينها لفرض تسويات تخدم مصالحها وحدها.
ويوضح أستاذ العلوم السياسية أن هذه الجماعات تُستغل لخلق ما يسمى بـ «المأزق الضار المتبادل»، حيث يتم إنهاك كافة أطراف الدولة الواحدة فى صراعات صفرية لا كاسب فيها، مما يسهل عملية التقسيم والسيطرة. لافتاً إلى أن دولاً مثل سوريا واليمن، وحتى القوى الإقليمية ذات الطبيعة التعددية، ليست بمنأى عن هذه المخططات التى تستهدف استغلال التنوع العرقى والمذهبى كوقود للفتنة.
ويشدد على أن الجماعات الدينية هى مشروعات مناهضة لأى مشروع قومى أو نهضوي؛ إذ يرتكز دورها فى البداية على ممارسات طائفية ضد المكونات الأخرى للمجتمع، مما يسهم فى تقسيم فئاته. وأكد قائلاً: «إذا وُجد انقسام داخل أى مجتمع إسلامى، فيجب البحث أولاً عن دور هذه الجماعات التى تقتات على التشرذم».
وعن سبل المواجهة، يؤكد أن الدولة المصرية قدمت نموذجاً ملهماً فى التعامل مع هذه التحديات، مشدداً على أن اليقظة التى تميزت بها مؤسسات الدولة والشعب المصرى عقب ثورة 30 يونيو 2013 كانت الصخرة التى تحطمت عليها أوهام الفتنة. وتابع: «مصر تعاملت بحزم ويقظة مع محاولات إشعال النيران الداخلية، واستطاعت بفضل جبهتها الداخلية المتماسك أن تنجو من مصير دول سقطت فى فخ التقسيم»، داعياً الحكومات الرشيدة فى المنطقة إلى تبنى النهج المصرى فى كشف «الوجه القبيح» لهذه الجماعات وتعرية أهدافها المناهضة للدولة الوطنية.
ويختتم أستاذ العلوم السياسية حديثه موضحاً أن هذه الجماعات - بدءاً من «الخوارج» فى العصور القديمة وصولاً إلى المسميات الحديثة - لم تكن يوماً تهدف لبناء دول، بل هى دائماً «معاول هدم» وصناعة أزمات، وتعمل كستار لتنفيذ أجندات الاحتلال بمفاهيمه الحديثة. وهو ما يفرض على المجتمعات العربية ضرورة الالتفاف حول المشروع القومى والتماسك المجتمعى لإحباط مخططات «الشرق الأوسط الجديد».
ويؤكد الدكتور. أسامة القوصى، الباحث فى شئون الجماعات الإرهابية أن الجماعات الإسلامية المعاصرة هم «خوارج العصر»، وقد وُجدوا لتنفيذ مخططات رسمها أعداء الإنسانية بهدف تفتيت المنطقة العربية تحت شعار «فرق تسد». وأكد أن ما نشهده اليوم من صراعات ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لمؤامرة بدأت خيوطها منذ فجر التاريخ الإسلامى.
حيث حذرنا النبى من هذه الجماعات المتاجرة بالدين ووصفهم بأنهم أناسٌ «سفهاء الأحلام، حدثاء الأسنان» لديهم قلة العقل، وصغر السن، والاندفاع، والطيش؛ يقولون من قول خير البرية، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وأوضح القوصى أن لديهم شدة وغلوّاً، حيث شبّههم النبى بالسهم الذى يخترق الصيد ولا يترك فيه أثراً؛ فهم لا يتعلقون من الدين بشىء، وفى الحقيقة ليسوا متدينين.
ويكمل القوصى أن الانطلاقة الحقيقية لفكرة الجماعات الإسلامية بدأت فى صورة فرد ثم تحولت إلى فكر، وكانت البداية على يد «عبد الله بن سبأ» اليهودى الصنعانى فى عهد عثمان بن عفان رضى الله عنه. والذى تظاهر بالإسلام وضرب الأمة فى نقطتين: الأولى الدعوة إلى الثورة حيث نشر فكرة أن سيدنا عثمان بن عفان «ظالم» ويحابى أقاربه، مما أدى إلى أول ثورة فى تاريخ الإسلام ومقتل الخليفة أما النقطة الثانية هى إرساء الفكر الطائفى بعد أن روج لفكرة أن المسلمين تركوا الإمام على بن أبى طالب يغسل النبى وذهبوا إلى سقيفة بنى ساعدة للاستيلاء على الحكم، مما أسس لفكر «الرافضة».
ويوضح أن الدليل على أن هذه الجماعات ما هى إلا طعنة فى ظهر الإسلام، هو ما حدث فى العصر العباسى، حينما تواطأ ابن العلقمى الرافضى مستشار الخليفة مع التتار عند قدومهم لغزو العالم الإسلامي، مقابل أن يجعلوه خليفة بعد اغتيال الخليفة
وهذا بالضبط هو منهج الإخوان والجماعات الإرهابية الذين يتفقون مع العدو أو المفسد فى الأرض من أجل السلطة.
ويؤكد أن هذه الجماعات «المتأسلمة» يسيرون على خطى ابن سبأ وابن العلقمى فى خيانة الأوطان.
مسمار جحا
ويشير إلى أن الصهيونية العالمية والماسونية تستخدمان هذه الجماعات كأدوات لتنفيذ استراتيجية «مسمار جحا» فى قلب المنطقة العربية، بهدف فصل مشرق العالم العربى عن مغربه والسيطرة على مقدراته، خاصة بعدما أدركوا أن الاستعمار العسكرى القديم لن يفلح، فاستبدلوه بـه «الاستعمار الفكرى»؛ وهو الأسهل، حيث يجعلون الشعوب تسقط بلادها بأيديهم ومن هنا ظهرت جماعة «الإخوان المسلمين» التى أُنشئت بتمويل بريطانى لاستغلال الوازع الدينى لدى الشعوب وصناعة خلل فكرى يخدم مخططات التقسيم.
ويرى أننا الآن فى مرحلة «تقسيم الشرق الأوسط الجديد» التى بدأت ملامحها تتبلور فى عهد بوش الابن ثم أوباما، وما حدث فى سوريا واليمن والعراق وليبيا خير مثال. إلا أن العناية الإلهية، ووعى القيادة السياسية، وجموع المصريين أنقذت مصر بفضل ثورة 30 يونيو، التى كشفت الوجه القبيح لهذه الجماعة الإرهابية.
ويوضح الباحث فى شئون الجماعات المتطرفة أن الكارثة ليست فى قيادات هذه الجماعات؛ فالقادة فى النهاية خونة زُرعوا ليتم استغلالهم ثم التخلص منهم، كما حدث مع قادة داعش والقاعدة وغيرهم. ولكن الكارثة الحقيقية تكمن فى العناصر المنفذة، وهم الشباب الذين يضحون بحياتهم، وللأسف مؤمنون بالقضية الخاطئة، ومغرر بهم فى هذه التنظيمات.
واصفاً إياهم بأنهم «حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام»، ويتم استغلال اندفاعهم وطيشهم تحت مسميات دينية براقة كـ«الخلافة» و«العدالة»،
ويشدد القوصى على أن المعركة الحالية هى «معركة وعى» فى المقام الأول، وأن هذه الجماعات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بوابة أخبار اليوم
