د. أسامة السعيد يكتب: «نهر» السياسة المصرية.. و«حرائق» الإقليم. اقرأ المقال كاملاً..

تبرز مصر ليس كطرف مشارك ورئيس فحسب فى أية ترتيبات حالية أو مستقبلية بشأن الإقليم، بل كحجر زاوية لا يمكن بدونه بناء أى هيكل أمنى أو سياسى مستدام فى المنطقة.

تستلهم السياسة المصرية فى التعامل مع تحديات الإقليم وتعقيدات المنطقة كثيرًا من سمات نهر النيل، فهى لا تميل لإثارة الضجيج بقدر ما تسعى لضمان التقدم دائمًا -ورغم كل العقبات- إلى الأمام، تبدو سياسة مصر فى بعض الأحيان هادئة حد السكون، لكنها تواصل الجريان واثقة بقدرتها على الوصول إلى الهدف فى نهاية المسار.

وخلال العقد الأخير نجحت السياسة المصرية فى تطوير نموذج يمكن أن نطلق عليه نموذج «القدوة والقدرة»، فالقاهرة لا تطالب غيرها بما لا تلزم نفسها به، فأرست بذلك نموذجًا أخلاقيًا موثوقًا فى العلاقات السياسية، ولم تمارس ازدواجية المواقف فلا يتناقض ما تقوله فى العلن، مع ما تتمسك به فى الغرف المغلقة.

استطاعت مصر كذلك تعزيز قدرتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية واستثمار قواعدها الصلبة البشرية والثقافية كواحدة من أكثر دول المنطقة امتلاكًا للقوة الناعمة، فى تطوير لنموذج تطلق عليه بعض نظريات العلوم السياسية «القوة الذكية» Smart Power، أى تلك التى تمتلك القدرة على المزج بين القوة الخشنة ممثلة فى القدرات العسكرية التى تحفظ لها وجودها وتحمى مصالحها، وبين القوة الناعمة عبر التأثير الثقافى والدبلوماسى وتقديم المواقف التى تلتزم بإطار من المبادئ التى تضمن لها رصيدًا من الثقة والاحترام والتأثير، ليس فقط على المستوى الرسمى، بل على المستوى الشعبى أيضًا.

نجحت القاهرة عبر ثنائية «التنمية فى الداخل والتوازن فى الخارج» فى إعادة بناء قواعد تأثيرها، وأن تشحذ منطلقات الفعل فى سياستها الخارجية النشطة، وأن تتعامل بحكمة بالغة مع صخور وعقبات بالغة القسوة والصلابة، وربما أريد لتلك الصخور أن تسد مجرى نهر السياسة المصرية وأن تقف عائقًا أمام تدفق موجات الدور المصرى نحو دوائر متسعة، وحصرها فى مساحات ضيقة تختزل الدور المصرى فى ملفات دول الجوار أو مجرد التسوية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

لكن القاهرة استطاعت ببصيرة نافذة أن تنظر إلى ما وراء أفق المنطقة المحتقن، وأن تستلهم من دروس التاريخ التى تستوعبها جيدًا، حكمة «الصبر الاستراتيجى» فى التعامل مع تلك العقبات التى تشبه «الجنادل» التى تترامى فى مجرى النيل خاصة فى قطاعه الجنوبى، فاستمدت القدرة المصرية قوة من المثابرة فى التعامل بعقلانية ووعى مع كثير من الفخاخ المنصوبة لنا فى حقل ألغام الشرق الأوسط، وفككت صلابة بعض الصخور الموضوعة فى طريقها ففتتتها، واكتفت فى أحيان أخرى بحفر مسارات جانبية حول عقبات أشد صلابة بما يضمن استمرار تدفق السياسة المصرية وقدرتها على حماية مصالحها دون صدامات تجرفها نحو معارك جانبية أو مناوشات تعرقل تقدمها المتواصل إلى الأمام.

هذه الحكمة المختزلة هى التوصيف الدقيق لحالة «الصبر الاستراتيجى» التى تنتهجها القاهرة وتجعلها لا تنجر إلى معارك جانبية، ولا تستجيب لاستفزازات المراهقة السياسية، بل تتحرك وفق رؤية تدرك أن «القيادة» ليست صراخًا فى الميكروفونات، بل هى القدرة على صياغة الواقع فى صمت، والقيام بكل واجباتها تجاه جيرانها وأشقائها فى المحيط الجغرافى وتوسيع نطاق تحركها وتأثيرها لدوائر أبعد وأوسع.

هذه المقدمة لفهم طبيعة السياسة المصرية وأطر تحركها وأدواته تبدو ضرورية للإجابة عن السؤال الأهم الذى يشغل عقول كثيرين فى مصر وفى الإقليم حول المستقبل: مستقبل المنطقة، ومستقبل الترتيبات الجارية لما بعد انتهاء هذه الموجة من الزلازل الخطيرة التى قد تفكك طبقات الجغرافيا الشرق أوسطية وتسفر عن واقع جديد، فضلًا عن موضع مصر وموقعها وسط كل تلك التصورات المطروحة حاليًا، والتى تبدو نشطة فى دوائر التفكير السياسى والاستراتيجى والإعلامى رغم دخان المعارك الذى لم ينقشع تمامًا من سماء المنطقة.



تمر منطقة الشرق الأوسط حاليًا بواحد من أعقد المنعطفات التاريخية منذ اتفاقية «سايكس بيكو»، حيث تتشكل ملامح نظام إقليمى جديد على وقع المدافع وتهميش منظمات إقليمية ودولية كانت فاعلة، فى مقابل زيادة وتيرة الاعتماد على دبلوماسية الوساطة النشطة.

كما تشهد المنطقة كذلك حالة من «السيولة» فى التحالفات، فالعلاقات التقليدية تتفكك، ومحاور جديدة تولد من رحم المصالح البراجماتية، لإعادة بناء تحالفات إقليمية ودولية لا تشبه ما عرفته المنطقة على مدى عقود.

ومع خفوت ضجيج المواجهة العسكرية المباشرة على الجبهة الإيرانية، وتعالى صخب الحديث عن واقع ما بعد الحرب، سواء فيما يتعلق بأمن دول الإقليم وترتيبات حماية الملاحة الدولية، وتصورات ملء الفراغ الذى أحدثته المواجهات الساخنة على رقعة شطرنج الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث الأخيرة ـ نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تقبل التأويل مفادها أن الفراغ الذى خَلَّفته الصراعات الكبرى لا يملؤه إلا مَن يمتلك الرؤية والشرعية التاريخية والقدرة على ضبط التوازنات.ويتخذ فضاء النقاش فى الإقليم حول دور القوى الوازنة خلال المرحلة المقبلة، مسارات عدة، فبعضها يشير إلى أهمية إعادة شحن العلاقات العربية الإسلامية كبديل لنفاد رصيد الثقة فى التحالفات التقليدية التى هيمنت على الإقليم على مدى العقود الأربعة الأخيرة، فلا الولايات المتحدة قدمت الحماية المنتظرة لحلفائها - باستثناء إسرائيل بطبيعة الحال - ولا روسيا والصين قدمتا الدعم المنتظر لحليفتهما إيران التى خاضت - ولا تزال - أخطر اختبارات وجودها السياسى والاستراتيجى، بل ووجودها كدولة موحدة.

هذا التصور المستند لرؤية توافقية تعلى من أهمية العمل العربى - الإسلامى المشترك، يأخذ فى الاعتبار الأدوار النشطة التى قامت بها دول مثل مصر والسعودية وتركيا وباكستان فى ظل تصاعد حرائق الإقليم، وهذه الأركان الأربعة يمكن أن تنضم إليها أطراف أخرى تزيد من الوزن الاستراتيجى لهذا المربع الحيوى.

فى المقابل يبرز تحليل آخر يذهب إلى محاولة التقليل من كل فرص العمل العربى- الإسلامى المشترك، ويميل إلى منطق «داوها بالتى كانت هى الداء»، أى بزيادة الانغماس فى تحالفات مع قوى دولية مهيمنة، تتصدرها بحكم الواقع الولايات المتحدة، وتوسيع وتعميق مساحة التحالف معها لتشكل مظلة حماية أمنية أكثر فاعلية حتى لو تطلب الأمر تعزيز العلاقات مع وكيلها الإقليمى المعتمد: إسرائيل.

الأمر بالتالى يتبلور ليس فى مجرد مجموعة من الرؤى والتحليلات، بل فى سرديتين كبيرتين، تحاولان أن تستشرفا المستقبل فى ضوء نتائج الحرب: السردية الأولى تستند إلى استيعاب نتائج المغامرات الأمريكية الإسرائيلية فى الإقليم كمحفز للمناعة الجماعية للتصدى لمشاريع الهيمنة الخارجية على مقدرات المنطقة.

بينما السردية الثانية ترتكن إلى تحليل أن الإقليم جزء من صراع أكبر، وقطعة على رقعة شطرنج الاستقطاب الدولى، وأن الرهان على الطرف القوى هو الخيار الرابح حتى لو انطوى الأمر على ارتفاع فى تكلفة هذا الخيار اقتصاديًا وأمنيًا واستراتيجيًا.

وبالطبع وفى ثنايا هاتين السرديتين الكبيرتين تكمن تفاصيل كثيرة حول مستقبل إدارة الممرات الملاحية الاستراتيجية بالمنطقة، ومحاولة بعض القوى إيجاد مسارات بديلة للطرق التاريخية المفتوحة أمام الملاحة الدولية، وطبيعة التحالفات العسكرية والسياسية وأمن الطاقة، والتصدى لمصادر التهديد وزعزعة الاستقرار الداخلى والإقليمى للعديد من الدول، ومساعى بعض القوى المتربصة للصيد فى المياه التى عكرتها الحروب فى الخليج العربى وفى البحر الأحمر على السواء.



هنا، تبرز مصر ليس كطرف مشارك ورئيس فحسب فى أية ترتيبات حالية أو مستقبلية بشأن الإقليم، بل كحجر زاوية لا يمكن بدونه بناء أى هيكل أمنى أو سياسى مستدام فى المنطقة.

لقد أفضت المواجهة الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران إلى واقع مُشوَّه، فلا هى استأصلت نفوذ طهران بالكامل، ولا هى تركت المنطقة على ما كانت عليه، فنحن الآن أمام «إيران منكفئة» تعيد تقييم أذرعها وتلملم جراحها العميقة، و«إسرائيل» تبحث عن مكاسب استراتيجية تغطى التكلفة الهائلة لمغامراتها العسكرية، وتحاول أن ترسخ واقعًا إقليميًا قسريًا باعتماد القوة وسيلة لتمديد نفوذها وتغلغلها فى منطقة لم تستطع عبر ما يقرب من ثمانية عقود أن تكون جزءًا من نسيجها السكانى أو الثقافى.

وفى المقابل تبدو أغلب دول الإقليم راغبة فى استعادة حالة من الهدوء والاستقرار تُمَكِّنها من استكمال مشروعها للبناء والتنمية، أو توفير أجواء أقل صخبًا لإطفاء حرائق مندلعة منذ 2011 فى العديد من الأقطار المهمة على الخريطة العربية، فالمنطقة لم تهنأ منذ عقود باستراحة تكفى لالتقاط الأنفاس.

وفى خلفية المشهد وغير بعيد عن مسارات التأثير على مجريات الأحداث فيه، تقف قوى دولية تريد تقليص فواتير انخراطها المباشر، دون أن تفقد نفوذها وأدوات حماية مصالحها فى منطقة يعلم الجميع حول العالم أهميتها فى أية مواجهة مستقبلية فى معركة إعادة بناء النظام الدولى،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بوابة أخبار اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة أخبار اليوم

منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 17 ساعة
بوابة الأهرام منذ 19 ساعة
موقع صدى البلد منذ 6 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 16 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 18 ساعة
صحيفة الوطن المصرية منذ 8 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 9 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 6 ساعات