فاجأ الاقتصاد البريطاني الأسواق بأرقام تبدو قوية على السطح، تعكس نمواً فاق التوقعات، لكنها تأتي على الأرجح قبل بيانات عاصفة تعبر عن عمق الأزمة التي يعيشها ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا.
ويرى محللون أن تلك البيانات التي حققها الاقتصاد البريطاني لا تعدو كونها بيانات قديمة، لا تنقل أياً من تأثيرات حرب إيران وتداعيات أزمة الطاقة التي لم تظهر بعد.
ويعكس هذا الانفصال بين البيانات والواقع الاقتصادي المتسارع، فجوة متزايدة بين مؤشرات إنتاجية تعتمد على الماضي، وسوق يعيد تسعير المخاطر بناءً على صدمة طاقة لم تكتمل بعد.
وعلى الرغم من أن بيانات شهر فبراير كانت أفضل بكثير من المتوقع، قال المحللون إنها تُعتبر إلى حد كبير بيانات تعكس نظرة إلى الماضي، بالنظر إلى الأحداث اللاحقة في الشرق الأوسط واندلاع حرب إيران في 28 فبراير.
التفاصيل أقل تفاؤلاً.. هل نجا اقتصاد الصين من صدمة الحرب؟
من الركود إلى النمو
نما الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.5% في فبراير، وفقاً للأرقام الأولية الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية والتي نُشرت، اليوم الخميس.
جاء هذا الانتعاش بعد أن نما الاقتصاد بنسبة 0.1% في يناير، بعدما أشارت التقديرات الأولى من مكتب الإحصاءات الوطنية إلى أن الاقتصاد قد وصل إلى حالة ركود.
جاءت البيانات أعلى كثيراً من توقعات الاقتصاديين، الذين رجحوا نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة 0.1% على أساس شهري.
أظهرت البيانات نمو قطاعي الخدمات والإنتاج بنسبة 0.5%، ونما قطاع البناء بنسبة 1% في شهر فبراير.
لكن هذا التسارع لا يعكس بالضرورة تحسناً هيكلياً، بقدر ما يعكس أثراً إحصائياً قصير الأجل مدفوعاً بقطاعات محددة، في وقت لا تزال فيه مكونات الطلب الأساسي ضعيفة.
الدولار يفقد مكاسبه مع تراجع التصعيد.. فهل يقود السوق أو يتبعه؟
بيانات قديمة
قال كبير الاقتصاديين في «شركة شرودرز» جورج براون: «لست متأكداً حقاً من أنها تعكس الظروف الفعلية في الاقتصاد»، مشيراً إلى أن الطفرات الموسمية المتبقية تؤثر على البيانات.
أضاف براون في مذكرة تعليقاً على البيانات: «من الواضح أن هذه بيانات قديمة، فنحن ندخل عالماً جديداً مع الصراع الإيراني».
يشير هذا الانقسام في التقييم إلى مشكلة أعمق تواجه الاقتصاد البريطاني، حيث تتأخر البيانات الرسمية بطبيعتها الزمنية عن التقلبات السريعة في أسعار الطاقة وتكاليف التمويل.
وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز، خلال مؤتمر لحزب العمال، في لندن العاصمة، في 29 سبتمبر 2025
المصدر: الصفحة الرسمية على منصة «إكس»
الوظائف والتدهور
قال براون: «من الواضح أن سوق العمل يتدهور، ومعدل البطالة يرتفع إلى أكثر من 5%، لذا لا يبدو أن الاقتصاد في حالة جيدة على الإطلاق».
وحذّر صندوق النقد الدولي في وقت سابق من هذا الأسبوع من أن المملكة المتحدة قد تشهد أكبر ضربة للنمو من الحرب الإيرانية مقارنة بأي اقتصاد رئيسي آخر.
يتوقع صندوق النقد الدولي الآن نمواً في المملكة المتحدة بنسبة 0.8% فقط في عام 2026، بانخفاض عن التوقعات السابقة البالغة 1.3% التي أصدرها الصندوق في يناير.
ويزيد هذا التدهور في سوق العمل من هشاشة المشهد الاقتصادي، إذ إن أي تباطؤ إضافي في التوظيف قد ينعكس مباشرة على الاستهلاك، المحرك الأكبر للنمو في المملكة المتحدة.
الذهب يتسلل إلى مستويات مهمة.. هل يفعلها خلال الهدنة؟
رؤية قاتمة للمستقبل
قال كبير الاقتصاديين البريطانيين في «دويتشه بنك»، سانجاي راجا، في تحليل نُشر اليوم: «بالنظر إلى المستقبل، نتوقع أن يتباطأ النمو».
أضاف راجا: «بالتأكيد، سيؤدي ارتفاع مستوى عدم اليقين إلى تثبيط الإنفاق والاستثمار، كما أن تشديد الأوضاع المالية لن يساعد أيضاً، ومع تراجع المعنويات، نتوقع أن يتأثر الناتج أيضاً».
لكن المعضلة الحقيقية التي تتبلور الآن تتلخص في ارتفاع أسعار الطاقة الذي يؤجج التضخم، ما قد يجبر بنك إنجلترا على رفع الفائدة، في وقت يتلمس فيه الاقتصاد أي محفزات للإفلات من فخ الركود.
النفط يقف على خط النار.. 3 لاعبين يتحكمون باتجاه الأسعار اليوم
ضغوط التضخم
باعتبارها مستورداً صافياً للطاقة، فإن المملكة المتحدة معرضة بشكل خاص لصدمات أسعار الطاقة العالمية مثل تلك الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، والذي فرض خنقاً على صادرات النفط والغاز من المنطقة.
قبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير، كان من المتوقع أن يخفض بنك إنجلترا أسعار الفائدة مع انخفاض التضخم إلى هدفه البالغ 2%، إلا أن الحرب بددت تلك التوقعات، ومن المقرر صدور أحدث بيانات التضخم في 22 أبريل.
يتوقع الاقتصاديون في «دويتشه بنك» الآن أن يتسارع التضخم في المملكة المتحدة في مارس إلى 3.3%، بعد أن كان 3% في فبراير، مما سيجبر البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل هذا العام.
وبذلك تجد السياسة النقدية نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد موازنة النمو والتضخم، بل إدارة صدمة خارجية تعيد تشكيل دورة الأسعار من الخارج إلى الداخل.
محلل يراقب شاشة تعرض مؤشر «فوتسي 100» بمجموعة «آي جي» في العاصمة البريطانية لندن يوم 7 أبريل 2025.
تأثير ضئيل
أشار كبير استراتيجيي الاستثمار لدى «أومنيس للاستثمارات» باتريك أودونيل إلى أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي لشهر فبراير من المرجح أن يكون لها تأثير ضئيل على تفكير صانعي السياسات في بنك إنجلترا في اجتماعهم المقبل في نهاية الشهر.
كتب أودونيل في مذكرة للعملاء: «في ظل حالة عدم اليقين السائدة وتعدد العوامل المؤثرة، نتوقع أن يلتزم بنك إنجلترا الصمت حيال قراراته».
وقال أودونيل: «بالنظر إلى ما بعد شهر أبريل، ينقسم السوق بين احتمالية رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس و50 نقطة أساس بحلول نهاية العام».
حرب إيران.. كيف أعادت وول ستريت وأوروبا واليابان تسعير المعركة؟
بنك إنجلترا
وبين قراءة متفائلة للبيانات التاريخية، وتوقعات أكثر قتامة للمستقبل، تتحول السوق إلى حالة إعادة تسعير مستمرة، حيث لم تعد الأرقام تعكس الوضع، بل تعكس فقط سرعة تغيّره.
ونظراً لأن بنك إنجلترا لا يزال ينظر إلى سعر الفائدة المصرفية على أنه لا يزال ضمن النطاق التقييدي، نعتقد حالياً أنه من المرجح أن يبقي على سياسته النقدية دون تغيير، وفقاً لأودونيل.
في حين أن ما كشفته بيانات فبراير ليس قوة الاقتصاد البريطاني، بل تأخر البيانات عن الواقع، أما الاختبار الحقيقي فسيبدأ حين تضرب الحرب فواتير الطاقة، ويجد بنك إنجلترا نفسه بين نارَي التضخم والركود.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس


