في تحول يعكس تداخل الجغرافيا الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، أفادت مجلة "فورين بوليسي" بأن حرب إيران، التي وصلت إلى حالة جمود عند مضيق هرمز، أعادت توجيه التركيز العالمي نحو البحار بوصفها بنية تحتية خفية لكنها حاسمة للتجارة الدولية.
وأكدت المجلة أن ما يجري لا يقتصر على اضطراب عابر في الإمدادات، بل يكشف عن واقع أعمق يتمثل في إعادة تشكيل السيطرة على الممرات البحرية عبر استثمارات طويلة الأمد، تقودها الصين بشكل منهجي.
بنية تتجاوز الاستثمار إلى إعادة هندسة النفوذ
توضح "فورين بوليسي" أن الصين لم تدخل قطاع الموانئ العالمية من بوابة النفوذ العسكري المباشر، بل عبر أدوات التمويل والبنية التحتية، مستفيدة من فجوة كبيرة تركتها المؤسسات الغربية في تمويل مشاريع النقل واللوجستيات في الدول النامية.
وبحسب بيانات حديثة، موّلت جهات صينية رسمية وشركات مملوكة للدولة نحو 363 مشروعًا مرتبطًا بالموانئ في 90 دولة خلال الفترة بين 2000-2025، بقيمة تقارب 24 مليار دولار؛ ما يمنح بكين حضورًا واسعًا في مفاصل التجارة العالمية.
ولا يقتصر هذا الحضور على الحالات البارزة، مثل: ميناء بيرايوس في اليونان، بل يشمل أيضًا مشاريع أقل تسليطًا للضوء في دول، مثل: غانا والكاميرون، وبروناي؛ ما يشير إلى استراتيجية انتشار أفقي تغطي نقاطًا متعددة في النظام التجاري العالمي.
ولا يعكس هذا الانتشار فقط توسعًا استثماريًّا، بل يشير إلى بناء شبكة مترابطة من نقاط النفاذ البحرية، تمكّن الصين من ترسيخ حضورها في سلاسل الإمداد العالمية، وتمنحها قدرة أكبر على التأثير في تدفقات التجارة.
"تمويل مقابل العائد" إلى "وصول مقابل النفوذ"
تشير المجلة إلى أن المرحلة الأولى من الاستراتيجية الصينية ركزت على تحقيق عوائد مالية عبر تمويل مشاريع بناء الموانئ أو توسيعها، مستفيدة من فوائضها المالية وحاجة الأسواق الناشئة إلى البنية التحتية.
لكن هذا النموذج تطور تدريجيًّا نحو مقاربة أكثر تعقيدًا؛ إذ أصبح الهدف لا يقتصر على الربحية، بل يمتد إلى ضمان "الوصول" إلى مواقع استراتيجية على طول الممرات البحرية.
هذا التحول يسمح للصين بتأمين إمداداتها من السلع الحيوية، مثل: النفط والغاز والمعادن، وفي الوقت نفسه بناء نفوذ طويل الأمد عبر التحكم في عقد لوجستية رئيسية.
تشغيل الموانئ: النفوذ في التفاصيل
لم تكتفِ بكين بتمويل بناء الموانئ، بل حرصت على المشاركة في تشغيلها وإدارتها، وهو ما يمنحها نفوذًا عمليًّا يتجاوز الأرقام الاستثمارية.
وتفيد فورين بوليسي بأن نحو 35% من مشاريع الموانئ الممولة من الصين تتضمن أيضًا ملكية أو حقوق تشغيل؛ ما يتيح للشركات الصينية التأثير في إدارة العمليات اليومية، مثل: جدولة السفن، وتخصيص الأرصفة، وتنسيق سلاسل الإمداد.
ويمنح هذا النوع من النفوذ بكين قدرة غير مباشرة على إعادة توجيه حركة التجارة، أو تفضيل شركاء معينين، وهو ما يعزز حضورها في الاقتصاد العالمي دون الحاجة إلى أدوات ضغط تقليدية.
"نظام لوجستي موازٍ" يعيد تعريف الاستقلال
في تحليلها، ترى فورين بوليسي أن شبكة الموانئ الصينية تمثل ما يشبه "نظامًا لوجستيًّا موازيًا"، يتيح لبكين تقليل اعتمادها على البنية التحتية التي تهيمن عليها الدول الغربية.
هذا النظام لا يقتصر على الموانئ، بل يمتد إلى الربط بينها وبين مشاريع سكك حديدية ومناجم ومناطق صناعية، ضمن نموذج متكامل يعزز الترابط بين الداخل والخارج.
وتشير المجلة إلى اتفاق بقيمة 1.4 مليار دولار وُقّع في سبتمبر 2025 لتطوير خط سكة حديد يربط تنزانيا وزامبيا، وينتهي عند ميناء دار السلام؛ ما يتيح نقل الموارد من المناطق غير الساحلية إلى الأسواق العالمية.
كما تبين البيانات أن أكثر من نصف الموانئ التي تمتلك فيها الصين حصصًا شهدت زيارات لسفن تابعة للبحرية الصينية؛ ما يعكس تداخلًا متزايدًا بين الأبعاد الاقتصادية والعسكرية في هذه الاستراتيجية.
تفوق في "النظام" لا في عنصر واحد
تؤكد المجلة أن نقطة القوة الأساسية في النموذج الصيني لا تكمن في عنصر واحد، بل في تكامل النظام بالكامل؛ فبكين لا تكتفي بتمويل المشاريع، بل تقدم حزمة متكاملة تشمل البناء والتشغيل، وتوفير المعدات، وربط الموانئ بشبكات الشحن العالمية، إضافة إلى الأنظمة الرقمية لإدارة التحديات هيكلية؛ ما يقلص من قدرة الولايات المتحدة على استعادة موقعها في سلاسل الإمداد البحرية.
ممرات بحرية تحت ضغط متزايد
في ظل هذه التحولات، تعود أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز، إلى الواجهة، ليس كممرات للطاقة فحسب، بل كنقاط ارتكاز للصراع الجيوسياسي.
وتشير "فورين بوليسي" إلى أن هذه الممرات أصبحت أكثر عرضة للتهديدات غير التقليدية، مثل الطائرات المسيّرة والألغام البحرية، وهو ما يزيد من هشاشة النظام التجاري العالمي، ويعزز الحاجة إلى شبكات بديلة وأكثر مرونة.
من التجارة إلى إعادة توزيع القوة
تخلص المجلة إلى أن ما يجري في قطاع الموانئ لا يمكن فصله عن إعادة توزيع أوسع لمراكز القوة في النظام الدولي؛ فالموانئ لم تعد مجرد بنية تحتية للتجارة، بل تحولت إلى أدوات نفوذ تحدد من يملك القدرة على التحكم في تدفقات السلع والطاقة والبيانات.
وفي هذا السياق، تمثل الاستراتيجية الصينية نموذجًا متقدمًا لِما يمكن تسميته "القوة اللوجستية"، حيث يتم توظيف الاستثمار والبنية التحتية لتحقيق أهداف اقتصادية وجيوسياسية في آن واحد.
قوة لوجستية تعيد تعريف النفوذ
في ضوء هذه المعطيات، ترى "فورين بوليسي" أن شبكة الموانئ العالمية التي بنتها الصين خلال ربع قرن تشكل ركيزة أساسية لنفوذها المتصاعد، وتمنحها أدوات فعالة لإدارة المخاطر في بيئة دولية مضطربة.
ومع استمرار التوترات في نقاط الاختناق البحرية، وتزايد الاعتماد على التجارة العالمية، يبدو أن المنافسة على الموانئ لم تعد مسألة اقتصادية بحتة، بل تحولت إلى ساحة مركزية لإعادة تشكيل موازين القوة في القرن الحادي والعشرين.
هذا المحتوى مقدم من قناة الرابعة
