أربيل (كوردستان24)- كشفت صحيفة "لوموند" الفرنسية عن توجه باريس نحو فتح أحد أكثر الملفات التاريخية تعقيداً وحساسية؛ والمتعلق بتبعات تجارة الرقيق عبر الأطلسي، وهي الجريمة التي تصنفها الأمم المتحدة بوصفها "أخطر جريمة ضد الإنسانية".
وأشارت الصحيفة إلى استعداد باريس للدخول في حوار معمق حول "العدالة التعويضية" مع شركاء أفارقة، وفي مقدمتهم غانا؛ ما يعكس تحولاً تدريجياً في المقاربة الدبلوماسية الفرنسية تجاه إرثها الاستعماري.
تقارب فرنسي غاني نحو "عدالة تاريخية"
تأتي هذه التطورات في أعقاب مباحثات رفيعة المستوى استضافها قصر الإليزيه بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الغاني جون دراماني ماهاما. وأفادت وزارة الخارجية الغانية بأن النقاشات أفضت إلى تقارب ملموس في وجهات النظر بشأن التعاون في قضايا العدالة التاريخية، بما يشمل استرداد الممتلكات الثقافية، ودعم الأبحاث التاريخية، ومعالجة التداعيات العميقة للعنصرية البنيوية.
وفي مقابل الوضوح الغاني، سلكت الرئاسة الفرنسية مساراً أكثر تحفظاً؛ حيث لم تصدر تأكيداً صريحاً لهذه الالتزامات، مكتفيةً بلغة دبلوماسية تشدد على "الطابع التشاوري" للمرحلة الراهنة.
من الامتناع الدولي إلى المراجعة الوطنية
وفقاً لـ"لوموند"، يأتي هذا التحول بعد موقف فرنسي أثار الجدل في 25 مارس/آذار الماضي، حين امتنعت باريس (إلى جانب أغلب الدول الأوروبية) عن التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يصف تجارة الرقيق بأنها "أخطر جريمة ضد الإنسانية" ويدعو لنقاشات دولية حول التعويضات.
وبررت باريس موقفها آنذاك برغبتها في تجنب إرساء "تراتبية بين الجرائم ضد الإنسانية"، نافيةً أن يكون الامتناع إنكاراً للمسؤولية التاريخية، بينما رأت مصادر دبلوماسية أن الموقف جاء ضمن تنسيق أوروبي موحد.
نهج ماكرون: "لا محظورات" ولكن..
نقلت الصحيفة عن مصادر مقربة من الإليزيه أن باريس لا تستبعد حالياً التعاون مع غانا في ملفات "الذاكرة"، ضمن استراتيجية أوسع اعتمدها ماكرون خلال السنوات الأخيرة. وتعتمد هذه الرؤية على الاعتراف بالجرائم الاستعمارية السابقة، وتكثيف برامج البحث الأكاديمي، وإعادة تقييم العلاقة مع الماضي.
ويؤكد مقربون من الرئيس الفرنسي أنه "لا يضع محظورات" في مراجعة التاريخ، لكنه يفضل مقاربة "تدرجية" تبدأ بالبحث العلمي والاعتراف الرمزي، قبل الخوض في أي نقاشات تتعلق بالتعويضات المالية المباشرة.
تحديات الانتقال من الرمزي إلى المادي
يكتسب ملف التعويضات حساسية خاصة نظراً للسبق القانوني الفرنسي؛ ففي عام 2001، كانت فرنسا من أوائل الدول التي أقرت "قانون توبيرا" الذي اعتبر تجارة الرقيق والعبودية جريمة ضد الإنسانية. ومع ذلك، فإن الانتقال من هذا الاعتراف القانوني والرمزي إلى "التعويض المادي" لا يزال يثير انقساماً حاداً على المستويين الداخلي والأوروبي.
وتشير النقاشات الأكاديمية والدبلوماسية إلى أن "العدالة التعويضية" قد تتخذ أشكالاً غير تقليدية، مثل:
- تعزيز الدعم التنموي للمجتمعات المتضررة.
- تمويل مراكز الأبحاث التاريخية.
- إطلاق برامج دولية لمكافحة التمييز العنصري.
ويستشهد المراقبون بتجربة ألمانيا مع ناميبيا، وإسبانيا في سياساتها لمكافحة التمييز، كنماذج محتملة لهذا المسار.
استحقاقات دولية حاسمة
من المتوقع أن يكتسب هذا الملف زخماً إضافياً مع اقتراب محطات دبلوماسية بارزة، منها:
1. قمة "إفريقيا-فرنسا" في نيروبي.
2. الذكرى الـ25 لصدور "قانون توبيرا".
3. القمة الدولية حول التعويضات المقررة في العاصمة الغانية "أكرا".
ويرى محللون أن هذه الاستحقاقات ستضع الموقف الفرنسي على المحك، في ظل تصاعد الضغوط الإفريقية والدولية لإغلاق ملف العدالة التاريخية، ووضع إطار دولي ملزم يعالج تداعيات الحقبة الاستعمارية.
المصدر: صحيفة "لوموند" الفرنسية
هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24
