مع عودة ملف التجنيد الإلزامي إلى واجهة النقاش داخل البرلمان العراقي، يتجدد الجدل بين القوى السياسية، والأوساط الشعبية والمختصين بشأن جدوى هذا القانون في ظل التحولات الأمنية والتحديات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وسط انقسام واضح بين من يراه ضرورة وطنية، ومن يعدّه عبئاً إضافياً على الدولة والمجتمع.
وأنهى مجلس النواب، الأحد، القراءة الأولى لمقترح قانون خدمة العلم، في خطوة أعادت إحياء مشروع ظل معلقاً لسنوات، رغم تداوله في دورات نيابية سابقة من دون حسم نهائي، في وقت تشير مسوداته إلى شمول الذكور ضمن فئة عمرية تتراوح بين 18 و35 عاماً، ولمدة خدمة تمتد من ستة أشهر إلى سنتين، مع إمكانية توزيعهم بين الخدمة العسكرية أو مهام مدنية بديلة كالدفاع المدني ودعم المؤسسات الحكومية.
كما تتضمن المسودات برامج تدريب أساسية في اللياقة والانضباط واستخدام السلاح، مع منح مكافآت أو رواتب رمزية خلال فترة الخدمة، فضلاً عن استثناءات تشمل الطلبة والمعيل الوحيد والحالات الصحية، في محاولة لتقليل الأعباء الاجتماعية المترتبة على التطبيق.
ويأتي هذا التحرك بدعم سياسي واضح، إذ أعلن رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي تبنيه للمقترح، واصفاً إياه بـ الخيار الاستراتيجي لبناء مؤسسة عسكرية منضبطة، ووسيلة لتوجيه طاقات الشباب وتقليل البطالة، فضلاً عن تعزيز روح الانتماء الوطني، وهو طرح يتقاطع مع مواقف قوى سياسية أخرى سبق أن تبنت المشروع ضمن برامجها الانتخابية.
لكن هذا التوجه لا يحظى بإجماع، إذ يرى مختصون أن توقيت طرح القانون يثير تساؤلات، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، والتحديات الأمنية التي لم تعد تقليدية كما كانت في العقود السابقة.
بدوره قال الباحث في الشأن السياسي حيدر الموسوي إن هذه الأفكار تعود إلى لبنات فكرية قومية وبعثية سابقة، في وقت لم يعد العراق بحاجة إلى التجنيد الإجباري بوجود أجهزة أمنية متعددة وتضخم واضح في عدد الأفراد داخل المؤسسات العسكرية
وأوضح الموسوي في تصريح لـ عراق أوبزيرفر أن الحروب الحديثة لم تعد تقليدية بل تعتمد على التكنولوجيا والطائرات المسيّرة، ما يجعل التركيز على زيادة الأعداد أمراً غير منطقي في ظل غياب منظومات دفاع جوي متقدمة .
وتعكس هذه المخاوف جانباً من النقاش الدائر في الشارع، حيث يربط معارضو القانون بينه وبين احتمالات عسكرة المجتمع وإعادة إنتاج فجوات اجتماعية، في حين يثير آخرون تساؤلات حول قدرة البنية التحتية العسكرية على استيعاب أعداد كبيرة من المجندين في ظل تحديات لوجستية وتمويلية.
في المقابل، يرى مؤيدو القانون أنه يمثل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز الانضباط لدى الشباب، لا سيما في ظل تصاعد ظواهر البطالة والتفكك الاجتماعي
بدوره قال الخبير الأمني عبدالغني الغضبان إن التجنيد الإلزامي يمثل خطوة مهمة لتقوية الأواصر الوطنية والاجتماعية بين أبناء المجتمع، ويسهم في ترسيخ حب الوطن لدى المجندين .
وأضاف الغضبان لـ عراق أوبزيرفر أن هذه الخطوة يمكن أن تخلق جيلاً أكثر انضباطاً ومسؤولية، وتعيد دمج الشباب ضمن إطار وطني منظم يخدم استقرار الدولة على المدى البعيد .
ويعزز هذا الاتجاه ما أظهرته استطلاعات رأي غير رسمية من ميل نسبي لدى شريحة واسعة من العراقيين لتأييد فكرة التجنيد، إذ تشير نتائج أحد الاستطلاعات إلى أن أكثر من 75% من المشاركين يدعمون إلزامية الخدمة العسكرية، مقابل نسبة أقل من المعارضين، ما يعكس وجود حاضنة شعبية جزئية للفكرة، رغم استمرار الجدل حول آليات تطبيقها.
وفي ظل هذا التباين، يبدو أن مصير القانون سيبقى رهناً بالتوازن بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، فضلاً عن قدرة الحكومة على تقديم نموذج تطبيقي يضمن العدالة ويحد من الفساد، وهو ما يضع المشروع أمام اختبار معقد يتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد اجتماعية وسياسية أوسع.
The post انضباط وطني أم بوابة فساد جديدة؟ first appeared on Observer Iraq.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر



