تشهد بعض الجامعات السعودية حديثا متجددا عن هيكلة بعض الكليات، ودمجها أو تقليصها، وكانت كليات التربية من أبرز ما لامسه هذا النقاش. غير أن معضلة كليات التربية لا تبدأ من الهيكلة نفسها، بل من اختزال دورها. فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل قرار أكاديمي ليس: كم كلية يمكن دمجها؟ بل: ما الوظائف التي لا يجوز أن تضيع؟
هنا يبدأ التشخيص الصحيح. هل التربية مجرد مسار لإعداد المعلم تنتهي مبرراته بتوقف التوظيف؟ أم أنها العقل المؤسسي الذي يفهم فلسفة التعلم والتعليم، ويقود المناهج، ويضبط جودة التعليم الجامعي، ويسند قراراته إلى البحث والخبرة، ويفهم الإنسان في نموه وتعلمه وتعليمه، ويشارك في رسم إستراتيجيات التعليم وفلسفته؟ متى اختُزلت التربية في وظيفة واحدة، سَهُل تهميشها، ومتى فُهمت بوصفها بيت خبرة، صار الاستغناء عنها إضعافًا للجامعة والوزارة معًا قبل أن يكون إضعافًا لكلية بعينها. ولهذا فإن الهيكلة الرشيدة لا تُقاس بعدد الكليات التي تُدمج، بل بقدرتها على حفظ الوظائف العلمية للتربية وإبقائها مؤثرة. أما إذا انتهت الهيكلة إلى نقل هذه الوظائف إلى جهات تفتقر إلى عمقها العلمي، فإننا لا نكون أمام تطوير، بل أمام تفكيك هادئ لمرجعية التعليم التربوية.
ومن أكبر الأخطاء التي أضرت بكليات التربية في وعينا المؤسسي اختزالها في تأهيل المعلم المدرسي فقط. فهذا جزء من مهمتها، لكنه ليس كل شيء. فالتربية هي الحقل الذي ينبغي أن يقود فهم التعلم في الجامعة، ويؤهل أعضاء هيئة التدريس للتدريس الفاعل، ويضبط جودة البرامج، ويمد صناع القرار ببحث رصين يصلح مرجعًا لإنتاج القرار، لا ديباجة تُستدعى لتبريره بعد اتخاذه. وهي كذلك الحقل الذي يقوّم التعليم، ويشخص علله، ويطوره، ويقارنه بغيره، ويكشف الفجوة بين ما يُكتب في اللوائح وما يتحقق في قاعات التعلم. وهذا ليس توسيعًا اعتباطيًا لوظيفة الكلية، بل هو ما تعلنه المؤسسات التربوية الرائدة عن نفسها. فمدرسة هارفارد العليا للتربية، وستانفورد، ومعهد التربية في كلية لندن الجامعية، تقدم أدوارًا تتجاوز منح الدرجات إلى التطوير المهني، وربط البحث بالممارسة، والتأثير في السياسات التعليمية.
ومن هنا فإن إدارة تطوير المناهج، والبرامج، والتقويم الجامعي بمعزل عن خبراء التربية ليست مجرد نقص في التمثيل، بل خلل في حوكمة المعرفة نفسها. فالجامعة التي لا توظف التخصص في موضعه الصحيح تُضعف نفسها، حتى لو ظنت أنها تضبط القرار. والجامعة التي تُحسن توصيف برامجها، لكنها لا تُحسن تعليم طلابها، أو تستوفي المتطلبات الشكلية، لكنها لا تستند في تطويرها إلى تأصيل تربوي راسخ، تبقى معرضة لفجوة مزمنة بين التنظيم والتعلم الفعلي.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا يتحول الحديث إلى خطاب شكوى. فبعض كليات التربية خذلت نفسها بتقليدية الطرح، ومحدودية الأثر، والانشغال ببحوث مكرورة لا تمس حاجات الجامعات الفعلية والتعليم، حتى صار التخصص كله يُحاكم أحيانًا بأضعف ما فيه. وهذا اعتراف لا يضعف الحجة، بل يقويها، لأن الدفاع عن كليات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
