عمّان – الدستور – نضال برقان
في زمنٍ تتكدّس فيه الأخبار حتى تفقد قدرتها على الإحساس، يذهب الشاعر والصحافي الأردني حسين جلعاد إلى مكان آخر: إلى الشعر بوصفه مساحة إنقاذ، لا للغة فقط، بل للإنسان ذاته. في ديوانه الجديد «ورود يوم القيامة»، الصادر عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، لا يكتب جلعاد عن غزة بوصفها حدثًا، بل ككائنٍ حيّ يتنفّس داخل النص، ويعيد تعريف العلاقة بين القصيدة والوجع.
هنا، لا تسعى الكلمات إلى الاكتمال، بل إلى الاحتمال؛ ولا تُروى الحكاية من علٍ، بل من التفاصيل الصغيرة التي تنجو من الإحصاء. في هذا الحوار، نقترب من المختبر الداخلي للشاعر، حيث تُكتب القصيدة كفعل حملٍ لا قول، وكشهادةٍ على ما لا ينبغي أن يُنسى.
في «ورود يوم القيامة» تبدو غزة ليست موضوعًا بل كائنًا حيًا داخل اللغة؛ كيف تغيّرت علاقتك بالشعر وأنت تكتب تحت هذا الثقل الإنساني والوجودي؟
- هذا السؤال يلمس شيئاً لم أتحدث عنه كثيراً. الحقيقة أن علاقتي بالشعر تغيّرت. ولن أدّعي أن التغيير كان سهلاً أو مريحاً. قبل هذا الديوان كنت أؤمن بالشعر بطريقة فيها شيء من الترف الجمالي. كنت أعتقد أن القصيدة الجيدة هي تلك التي تحقق توازنها الداخلي، أن تكون متماسكة، محكمة، ناجزة. كنت أقيس القصيدة بمعايير القصيدة.
غزة كسرت هذا
حين بدأت أكتب وجدت نفسي أمام شيء لا تكفيه معايير الشعر وحدها. وجدت أن الأمانة للتجربة الإنسانية أهم من الأمانة للشكل. تيقنت أن السطر الذي يرتجف أصدق من السطر الذي يتوازن. وهذا أزعجني في البداية لأنه خالف كل ما تعلّمته وآمنت به.
لكن الأهم من هذا كله أن غزة غيّرت علاقتي بالسبب. لماذا أكتب؟
كنت أكتب لأقول شيئاً. صرت أكتب لأحمل شيئاً. والفرق بين الاثنين فرق جوهري. حين تكتب لتقول، أنت في المركز، أنت من يتكلم. حين تكتب لتحمل، أنت تتنحّى قليلاً وتترك التجربة تتكلم من خلالك. هذا التنحّي هو أصعب شيء تعلّمته في هذا الديوان. وهو في الوقت نفسه أكثر ما أعتز به. غزة لم تجعلني شاعراً أفضل بالمعنى التقني. لكنها جعلتني إنساناً يكتب بطريقة مختلفة. وأظن هذا أهم. الناس يحملون قصيدتي ويمشون داخلها. وأنا أحمل كل ذلك في قلبي.
نلاحظ أنك لم تكتب «قصيدة حرب» تقليدية، بل اشتغلت على التفاصيل اليومية الصغيرة في مواجهة الفناء؛ لماذا راهنت على الهامشي والحميمي بدل الصورة الكبرى للكارثة؟
- صحيح، لأن الصورة الكبرى للكارثة تكذب.
أعرف أن هذه جملة صادمة، لكنني أقولها بعناية. الصورة الكبرى تعطيك إحساساً بأنك فهمت وأحطت، وهذا الإحساس بالإحاطة هو نوع من الراحة الكاذبة. حين تقول «مئة ألف شهيد» يتلقى العقل الرقم ويمر. حين تقول «جديلة بنت كانت تلمّها قبل أن تقف للصلاة» يتوقف القلب.
التفصيلة الصغيرة لا تتيح للقارئ أن يهرب
لكن هناك سبب آخر أعمق. أنا لا أؤمن أن الكارثة تسكن في أرقامها. الكارثة الحقيقية تسكن فيما تمحوه. في العادات اليومية التي لن تتكرر. في الطقوس الحميمة التي ماتت مع أصحابها ولم يبكِ عليها أحد لأن أحداً لم يعرف أنها كانت موجودة. الجد الذي يعقد يديه خلف ظهره حين يمشي، هذه الحركة بالذات، من سيحفظها بعده؟ هذا هو الفناء الحقيقي، ليس الموت بل محو الأثر الصغير.
الهامشي والحميمي هو المكان الذي تختبئ فيه الإنسانية من الإحصاء. وحين تكتب عنه فأنت لا تصف الخسارة، أنت تعيدها إلى الوجود ولو للحظة، تقول لمن رحل: أنا رأيت طريقتك في المشي، وحفظتها، ولن أتركها تختفي.
الرهان على الحميمي إذن ليس اختياراً جمالياً فحسب، إنه موقف أخلاقي. هو أن تقول إن كل إنسان يستحق قصيدته الخاصة، لا أن يُذاب في الصورة الجماعية الكبرى التي تبتلع الأفراد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
