الإدارة الأردنية بين استقرار يُدار ومستقبل يُصنع

ليست أخطر لحظات الدول حين تخسر حربًا أو تواجه أزمة اقتصادية عابرة، بل حين تفقد بصمت قدرتها على إدارة نفسها بكفاءة. عندها لا يحدث الانهيار دفعة واحدة، بل يبدأ تآكل عميق وبطيء، تتحول فيه الإدارة من أداة لصناعة المستقبل إلى جهاز يبرّر التأجيل، ويدير الأعذار، ويعيد تدوير الأزمات بدل حلّها. الخطر الحقيقي لا يكمن في الأزمات المرئية، بل في العقل الذي يعتادها حتى تصبح جزءًا من الوضع الطبيعي .

فالدولة ليست جغرافيا ولا سلطة فحسب، بل عقل إداري قادر على تحويل الموارد إلى قوة، والأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج. وحين يختل هذا العقل، لا تختل مؤسسة بعينها، بل يتسلل الاضطراب إلى كامل البنية المؤسسية. عندها تنشغل المؤسسات بذاتها، وتدير الإجراءات بدل التحول، وتتراجع الجرأة، ويُقدَّس الاستقرار على حساب التغيير. هنا، لا تنهار المؤسسات، لكنها تُفرغ من مضمونها؛ ويتراجع الأثر، ويصبح الإنجاز خطابًا لا واقعًا.

الأرقام لا تُقدَّم بوصفها إحصاءات جافة، بل كمرآة تعكس عمق الفجوة بين الإمكانات والنتائج. فاقتصاد بحجم يقارب 65 مليار دولار يحقق نموًا يدور في حدود 2.5 % 3 % سنويًا، في حين تتجاوز البطالة 21 %، وبين الشباب أكثر بكثير، ودين عام يتجاوز 100 % من الناتج المحلي. هذه المؤشرات لا تقول إن الدولة فقيرة، بل إن قدرتها على تحويل الموارد إلى فرص ما تزال محدودة. إنها، ببساطة، أزمة إدارة موارد أكثر منها أزمة موارد. وهنا يتحول السؤال من مسألة تقنية إلى سؤال وجودي: أي إدارة تقود مؤسسات الدولة؟ وأي عقلية تحكم مؤسساتها؟ هل نحن أمام إدارة تُدير الحاضر كما هو، أم أمام إعادة تشكيله كما يجب أن يكون؟ التاريخ يجيب بوضوح، لم تستمر الدول لأنها الأقوى عسكريًا، بل لأنها الأقدر إداريًا. من كورش الكبير، الذي أدرك أن الإمبراطوريات تُدار لا تُحتل، وفي مصر القديمة، لم يكن نجاح المشاريع ممكنًا دون جهاز إداري بالغ التنظيم، إلى الإمبراطور الروماني أوريليوس الذي رسّخ سيادة القواعد، إلى نظم الدواوين، والوزارة والمتخصصين في الدولة الأموية والعباسية، وصولًا إلى النماذج الحديثة، كانت الاستمرارية دائمًا نتاج القدرة على تحويل السلطة إلى نظام، والقوة إلى قواعد. القادة يصنعون اللحظات التاريخية، لكن العقول الإدارية تصنع الاستدامة.

ومع الدولة الحديثة، ترسّخ هذا الفهم مع النماذج البيروقراطية العقلانية القائمة على الكفاءة والاختصاص والحياد (ماكس فيبر). غير أن التحدي لم يكن يومًا في صياغة هذه النماذج، بل في القدرة على تجسيدها في الواقع. فالفجوة بين النظرية والتطبيق هي المساحة التي تتشكل فيها أزمات الدول. فالتآكل المؤسسي لا يحدث فجأة، بل عبر حلقات الإدارة التائهة : تأجيل القرار، وتضخم الإجراءات، والخوف من المساءلة، وتغليب التوازنات على الكفاءة. ومع الزمن، تتحول المؤسسات إلى كيانات تعمل بلا بوصلة، وتدخل في نمط إدارة التبرير ، حيث تُستهلك الطاقات في تفسير الفشل بدل تصحيحه. في الأدبيات الحديثة، تُعرف هذه الحالة بـ متلازمة الدولة البيروقراطية الراكدة : مؤسسات تعمل، لكنها غير قادرة على الابتكار، وجهاز إداري متضخم بلا إنتاجية، وقرارات بطيئة، وثقافة حذر مفرط. الأخطر هو ظهور ظاهرة وهم الاستقرار المؤسسي ، حيث يبدو كل شيء طبيعيًا بينما تكون القدرة على التغيير قد تآكلت في العمق. وفي هذا السياق، يصبح اختزال الأزمة في الفساد تبسيطًا مخلًا. فالفساد غالبًا ما يكون عرضًا، لا أصل المشكلة. أما الخلل، فهو في الكفاءة المؤسسية. الفساد يمكن مكافحته بالقوانين، أما العقلية الإدارية، فهي بنية ذهنية ومؤسسية تعيد إنتاج نفسها. وكذلك الأزمات الاقتصادية ليست سببًا بقدر ما هي نتيجة؛ فالبطالة، وضعف النمو، وارتفاع المديونية ليست إلا انعكاسًا مباشرًا لخلل في إدارة الموارد والفرص.لذلك، السؤال الحقيقي ليس: كيف نعالج النتائج؟ بل: كيف نعيد بناء العقل الذي ينتج هذه النتائج؟ لقد طورت مدارس الإدارة الحديثة نماذج متعددة، من الإدارة البيروقراطية إلى الإدارة الإستراتيجية، ومن الإدارة بالنتائج إلى الإدارة الرقمية والابتكارية، لكن جوهر التحول في جميعها واحد: الانتقال من إدارة الإجراء إلى إدارة الأثر ، ومن قياس النشاط إلى قياس القيمة المضافة. الدول التي نجحت لم تكن الأغنى، بل الأكثر كفاءة في إدارة ما لديها. سنغافورة، كوريا الجنوبية، إستونيا، وفيتنام، جميعها نماذج لدول استطاعت تحويل محدودية الموارد إلى ميزة تنافسية عبر إدارة ذكية وحاسمة وموجهة نحو النتائج. هناك، لم تكن الإدارة عبئًا، بل محركًا للإنتاج، وعقلًا إستراتيجيًا يقود التنمية.عند إسقاط هذه القراءة على الحالة الأردنية، تظهر المفارقة بوضوح: استقرار سياسي، ورأس مال بشري متميز، وموقع جيوسياسي حساس، واقتصاد بحجم يقارب 65 مليار دولار، مقابل نمو بطيء، وقدرة محدودة على توليد الفرص. هذه المفارقة لا تُفسَّر بندرة الموارد، بل بكيفية إدارتها.لقد نجح الأردن تاريخيًا في بناء جهاز إداري قوي ومتماسك حافظ على الاستقرار، وكان يُشار إليه كنموذج يُحتذى به في المنطقة. لكن هذا النجاح تحوّل تدريجيًا إلى نمط محافظ يميل إلى إدارة التوازن بدل صناعة التحول. ومع مرور الوقت، تشكلت أنماط غير رسمية أصبحت أكثر تأثيرًا من القواعد الرسمية، وأعادت تعريف ما هو مقبول إداريًا . فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب القوانين، بل في الثقافة التي تحكم تطبيقها. فظهرت بنية مزدوجة تجمع بين الرسمي وغير الرسمي، وبين القرار ومراكز التأثير، ما أفرز مجموعة من أمراض الإدارة العامة . تتجلى في تضخم البيروقراطية، وغموض المسؤوليات، وضعف المساءلة، والخوف من القرار، واتساع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هلا أخبار

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هلا أخبار

منذ 3 ساعات
منذ 42 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 33 دقيقة
خبرني منذ 15 ساعة
قناة المملكة منذ 3 ساعات
خبرني منذ 15 ساعة
خبرني منذ 15 ساعة
خبرني منذ 8 ساعات
قناة المملكة منذ 17 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 16 ساعة
خبرني منذ 3 ساعات