هل يقلب الحرس الثوري طاولة المفاوضات؟
الدكتور ثائر العجيلي
المقدمة: (صدام الإرادات فوق فوهة البركان)
"في اللحظة التي يقف فيها الشرق الأوسط على نصل سكين، لم تعد طهران تُدار بعقل استراتيجي واحد، بل باتت مسرحاً لـ 'انشطار سيادي" هو الأخطر منذ أربعين عاماً، حيث يتحول 'الشرخ البنيوي' داخل حصون النظام إلى المتغير الأهم في رسم مصير الإقليم. وبينما تتجه الأنظار اليوم إلى إسلام آباد بانتظار 'دخان أبيض' ينهي الحصار، يبرز السؤال الوجودي الأهم: هل سيسمح جنرالات الميدان للدبلوماسيين بالنجاح؟
إننا لا نواجه نظاماً يناور، بل كياناً برأسين يتصارعان في معركة الرمق الأخير؛ حيث تندفع 'دولة بزشكيان وقاليباف' نحو براغماتية مريرة لإنقاذ الجسد الاقتصادي، بينما يهرع 'ميدان وحيدي وعبد الله آبادي' نحو حافة الهاوية النووية، مراهنين على أن 'جنون القوة' وتعطيل الملاحة الدولية هما الضمانة الوحيدة للبقاء. لقد جاءت تصريحات ترامب الأخيرة حول 'المعتدلين والمتشددين' لتكون بمثابة 'صاعق تفجير' أشعل الصراع داخل الغرف المغلقة، كاشفةً شيفرة التباين بين 'دبلوماسية بائسة' تحاول امتصاص العاصفة، و'قبضة عسكرية' يقودها 'مقر خاتم الأنبياء' ويهندسها ظل 'مجتبى خامنئي' لنسف الطاولة. إن فهم هذا الانفصام ليس ترفاً تحليلياً، بل هو المفتاح الوحيد للتنبؤ بما إذا كانت الساعات القادمة ستشهد 'الانكسار العظيم' للدبلوماسية أم 'الانفجار الكبير' الذي سيغير وجه الشرق الأوسط للأبد."
1 هرم القيادة وسُلم الصلاحيات (مَن يملك القرار؟)
في قمة النظام الإيراني، لم تعد الصلاحيات موزعة حسب الدستور، بل حسب "الولاء والقدرة الميدانية"، ويمكن تصنيفهم في السلم القيادي كالتالي:
1. المرشد الأعلى ومكتبه (السيادة المطلقة): يمثلها حالياً مجتبى خامنئي كمدير فعلي لملفات الأمن القومي، وهو "الحكم" بين الأجنحة والمسؤول عن ضمان بقاء النظام خلال مرحلة الانتقال.
2. قائد الحرس الثوري (احمد وحيدي): يمثل الجناح الذي يرفض تقديم أي تنازلات في الملف الصاروخي أو النفوذ الإقليمي، وقد حاول مؤخراً (وفق تقارير Yahoo News وإيران إنترناشيونال) تقليص صلاحيات قاليباف ووزير الخارجية "عراقجي" في التفاوض.
3. مقر خاتم الأنبياء المركزي (القيادة العملياتية): يمثلها اللواء علي عبد الله آبادي، وهي الجهة التي تملك الصلاحية الفعلية لتحريك القوات وإصدار أوامر الهجوم أو الإغلاق للمضائق، وتعتبر "دولة الميدان"،أطلق مؤخراً (أبريل 2026) تحذيرات شديدة اللهجة بأن القوات الإيرانية لن تتسامح مع أي حصار بحري، مهدداً بتحويل القواعد الأمريكية في المنطقة إلى أهداف مشروعة، وهو خطاب يتجاوز اللغة "الدبلوماسية" التي يحاول قاليباف تسويقها
4. قائد القوة الجوفضائية ( أمير علي حاجي زاده): يراهن على "سلاح الصواريخ والمسيّرات" كبديل عن الدبلوماسية، ويرى أن التفاوض على البرنامج الصاروخي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
5. رئاسة البرلمان والجهاز التفاوضي (الواجهة الاستراتيجية): يمثلها محمد باقر قاليباف، وهو "رجل المهام الصعبة" الذي يجمع بين الحرس الثوري و الخلفية العسكرية والقدرة الدبلوماسية. حيث يقود حالياً الوفود التفاوضية (كما في محادثات إسلام آباد 2026). رؤيته تقوم على استخدام السيطرة على "مضيق هرمز" كورقة ضغط لانتزاع اعتراف دولي بحقوق إيران النووية وتخفيف الحصار، مع تجنب الانتحار العسكري الشامل.
6. رئاسة الجمهورية (الجهاز التنفيذي): يمثلها مسعود بزشكيان، وهي الواجهة الفنية أمام المجتمع الدولي، ومسؤولة عن إدارة الأزمة الاقتصادية لكن بصلاحيات سيادية "محدودة" في ملفات الحرب والسلام.
7. محسن رضائي: يدعم التوجه نحو "الاقتصاد المقاوم" المرتبط بالتحالفات الشرقية (الصين وروسيا)، ويرى أن الحفاظ على استقرار النظام داخلياً أولى من المغامرات الخارجية غير محسوبة النتائج.
2 تشريح أجنحة السلطة (صراع الرؤوس المتعددة)
في ظل حالة "الانفصام الاستراتيجي" التي تعيشها طهران، يتحرك القرار الإيراني ضمن ثلاث دوائر متصادمة في الرؤية والأدوات، مما يخلق وضعاً سيادياً مهزوزاً أمام المجتمع الدولي:
1. جبهة "الواقعية القسرية" (بزشكيان، قاليباف، رضائي):
الرؤية والرهان: يدرك هذا الجناح أن "العمق الاستراتيجي" الخارجي قد تآكل بسقوط النفوذ في بلاد الشام. رهانهم يقوم على "تبريد الجبهات" لانتزاع سيولة مالية تمنع انفجار الشارع الإيراني. هم يمثلون "وجه الدولة" والعقل التكنوقراطي الذي يحاول تسويق صفقة "تجميد مقابل تنفس"، مؤمنين بأن البقاء يمر عبر مساومة سياسية ذكية وليس عبر انتحار عسكري شامل.
2. جبهة "الردع الانتحاري" (وحيدي، عبد الله آبادي، حاجي زاده):
الرؤية والرهان: تيار "عقيدة الميدان" الذي لا يؤمن إلا بلغة القوة الصلبة. يقود اللواء علي عبد الله آبادي استراتيجية "الضغط الجراحي" عبر تهديد المضائق والملاحة الدولية، مراهناً على أن "إيلام العالم" اقتصادياً هو القوة الوحيدة التي ستجبر الغرب على التراجع. يرون في أي تفاوض تحت الضغط "مراسم استسلام" يرفضون المشاركة فيها أو الخضوع لنتائجها.
3. مكتب المرشد و"ميزان الذهب" (دور مجتبى خامنئي):
الرؤية والرهان: يعمل مجتبى خامنئي كمحرك لـ "توازن الرعب" الداخلي وهندسية الخلافة الوشيكة. تكتيكه يقوم على منح الدبلوماسيين (بزشكيان/قاليباف) "مساحة للكلام" لامتصاص الغضب الدولي، بينما يمنح الجنرالات (خاتم الأنبياء) "مساحة للفعل" الميداني لتعزيز أوراق الضغط. هذا "التلاعب السيادي" يهدف لضمان بقاء النظام ووحدة مؤسساته مهما كانت النتائج السياسية النهائية.
3 البعد الشعبي والاجتماعي للانشطار
(الشرخ فوق فوهة بركان داخلي)
بينما يتبادل الأقطاب في طهران الرسائل السياسية، يرزح الشارع الإيراني تحت وطأة "انفصام استراتيجي" يدفع ثمنه المواطن البسيط. هذا المحور يشرح كيف يتحول صراع الأجنحة إلى ضغط اجتماعي غير مسبوق:
1. معادلة "الخبز مقابل البارود":
يعيش المواطن الإيراني اليوم "تيهاً اقتصادياً" ناتجاً عن تضارب الأولويات؛ فبينما يَعِد بزشكيان ووزارة الخارجية بفتح قنوات التجارة وفك الحصار لإنقاذ العملة المنهارة، يصر جناح "مقر خاتم الأنبياء" على إنفاق الميزانيات المتبقية في "مقامرة الصواريخ" وتوسيع العمليات العسكرية. هذا الصدام جعل المواطن يرى في كل صاروخ يُطلق "لقمة عيش" تُسحب من مائدته، مما حوّل الفقر من أزمة اقتصادية إلى شرارة ثورة اجتماعية كامنة.
2. سيكولوجية "رهينة الميدان":
يدرك الشارع الإيراني (خاصة الطبقة الوسطى والمتعلمة) أن تصعيد الحرس الثوري في مضيق هرمز ليس دفاعاً عن البلاد بقدر ما هو محاولة من المتشددين لـ "عسكرة المجتمع" وقطع الطريق أمام أي إصلاح مدني. المواطن يشعر اليوم بأنه "رهينة" في يد جنرالات الهاوية، حيث يتم استهلاك مستقبله في حروب لم يخترها، مراهناً على أن "وجع العالم" من أسعار الطاقة سيمنح النظام حصانة، بينما الحقيقة أن العزلة لا تزيد إلا من خنق الداخل.
3. فجوة الثقة و"انفجار التوقعات":
أدى الشرخ بين "وعود الدبلوماسيين" و"تهديدات العسكريين" إلى فقدان الثقة الكامل في مؤسسة الحكم. المواطن يراقب مفاوضات إسلام آباد بعين اليأس؛ فهو يعلم أن بزشكيان قد يوقع اتفاقاً، لكنه يعلم أيضاً أن علي عبد الله آبادي أو حاجي زاده قد ينسفان هذا الاتفاق بطلقة واحدة في الخليج. هذا "عدم اليقين" أدى إلى شلل في الأسواق وهجرة جماعية لرؤوس الأموال والعقول، مما يجعل "الجبهة الداخلية" هي الخطر الحقيقي الذي يخشاه مكتب المرشد أكثر من الأساطيل الخارجية.
(( الخلاصة المجتمعية ))
إن الشرخ البنيوي في القرار الإيراني لم يمزق السلطة فحسب، بل مزق "العقد الاجتماعي"؛ فالشعب لم يعد يرى في النظام حامياً له، بل يراه مقامراً يقامر بحياته في سبيل بقاء الأيديولوجيا. هذا الضغط الشعبي هو الذي يمنح جناح (بزشكيان-قاليباف) القوة للمطالبة بالحل، لكنه أيضاً هو الذي يدفع الحرس الثوري لمزيد من القمع والتشدد لإبقاء السيطرة.
4 السيناريوهات الاستراتيجية
(مستقبل القرار المنشطر)
بناءً على موازين القوى بين "الميدان" و"الدبلوماسية"، وضمن مهلة الساعات الحرجة القادمة، تبرز ثلاثة مسارات ترسم مستقبل إيران والمنطقة:
السيناريو الأول: "الانكفاء النووي والقطيعة"
(احتمالية 50% - المرجح)
يفترض هذا السيناريو انتصار جناح اللواء عبد الله آبادي وحجي زاده، مدعوماً بضوء أخضر صامت من مجتبى خامنئي.
المسار: قيام الحرس الثوري بـ "قلب الطاولة" في إسلام آباد عبر عمل ميداني صاخب (اعتراض بحري أو إطلاق صاروخي) لنسف المفاوضات، يتبعه إعلان الوصول لـ "العتبة النووية" كأمر واقع.
النتيجة: تحول إيران إلى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
