في ظل مشهد صحي يزداد تعقيدا، لم تعد الأمراض الجلدية في الجزائر مجرد حالات طبية معزولة، بل تحولت إلى مؤشر مقلق على اختلالات أعمق تمسّ البيئة، وأنماط العيش، وفعالية المنظومة الصحية في التعامل مع تفشي أمراض تتوسع رقعتها بشكل لافت.
فبين الليشمانيا الجلدية التي تصنف الجزائر ضمن البلدان الأكثر تأثرا بها عالميا، وعودة أمراض كان يعتقد أنها تراجعت مثل الجرب داخل الوسط المدرسي، وصولا إلى انتشار الصدفية والتهابات الجلد الفطرية والبكتيرية، تتكشف صورة وبائية غير مطمئنة، تتداخل فيها العوامل البيئية مع هشاشة البنية الوقائية والصحية.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن تفشي هذه الأمراض لا يمكن عزله عن سياق بيئي متدهور، حيث تلعب التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة دورًا مباشرا في توسيع نشاط ناقلات الطفيليات، وعلى رأسها ذباب الرمل. غير أن العامل الأكثر حساسية يتمثل في تراجع شروط النظافة العامة وتدهور البيئة الحضرية في عدد من المناطق، حيث تتراكم النفايات وتنتشر الروائح الكريهة، في مشهد يطرح أسئلة حول فعالية التدبير المحلي.
الأخطر من ذلك، وفق شهادات ميدانية ومعطيات طبية، هو تأثير أزمة المياه التي تعيشها البلاد في عدد من المناطق، حيث يؤثر ندرة التزود بالماء على أنماط النظافة الشخصية اليومية، فالمعطيات تقول أن الجزائريين في بعض المناطق يستحمون مرة واحدة في الاسبوع واحيانا اكثر، ما يخلق بيئة مواتية لانتشار الأمراض الجلدية والطفيليات. وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات مقلقة حول تزايد الإصابات في مناطق حساسة من الجسم، خصوصا الحكة الشرجية; هي حالة جلدية شائعة تسبب رغبة ملحة في حك الجلد حول فتحة الشرج، وقد تنتج عنه تهيج، عدوى، أو أمراض جلدية. تزداد سوءا غالبا في الليل أو بعد التبرز، ما يعكس ليس فقط طبيعة العدوى، بل أيضا هشاشة شروط الوقاية الأساسية.
لكن الوجه الأكثر خطورة في هذه المعادلة يتمثل في السلوك العلاجي، حيث يحذر مختصون من انتشار واسع لظاهرة العلاج الذاتي، خصوصا عبر استعمال كريمات تحتوي على الكورتيكويد أو المضادات الحيوية دون إشراف طبي. هذا النمط العلاجي العشوائي لا يساهم فقط في تفاقم الحالات، بل يفتح الباب أمام مضاعفات معقدة، أبرزها مقاومة البكتيريا للعلاج، ما يجعل التدخل الطبي لاحقًا أكثر صعوبة وكلفة.
وفي خضم هذا الوضع، تتصاعد التحذيرات الطبية من توسع دائرة الأمراض الجلدية المعدية، في ظل تسجيل حالات مرتبطة بداء البريميات، وهو مرض خطير ينتقل عبر مياه ملوثة وبول القوارض والحيوانات، وقد يؤدي في حال تأخر العلاج إلى فشل كلوي حاد، يرقان، نزيف داخلي، واضطرابات متعددة قد تصل إلى الوفاة.
كل هذه المؤشرات تضع المنظومة الصحية الجزائرية الهشة أمام سؤال مباشر لا يمكن تجاهله: هل تمتلك الجزائر فعليا قدرة استباقية على احتواء هذا التوسع الوبائي الصامت؟
فالواقع لا يتعلق فقط بقدرة المستشفيات على العلاج، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من الوقاية، مرورا بالتشخيص المبكر، وصولا إلى التحكم في العوامل البيئية والسلوكية. غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن الفجوة بين حجم التحديات والاستجابة الصحية ما تزال واسعة.
وفي ظل استمرار الجفاف وتفاقم أزمة المياه في عدد من المناطق، وتراجع شروط النظافة العامة، يبدو أن الأرضية مهيأة لاستمرار هذا المسار التصاعدي، ما لم يتم التدخل عبر سياسات صحية وبيئية أكثر صرامة وشمولًا، قبل أن يتحول الأمر من أزمة صحية متفرقة إلى تهديد وبائي واسع النطاق.
هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء المغربية



