كنتُ في فلورنسا، حين بدأت الرُّؤية تنجلي. لا بمعنى الاكتشاف، بل بمعنى التأكُّد. فهذه المدينة الحسناء، التي قامت أصلًا مستعمرةً رومانيَّةً، ثمَّ صارت عنوانَ النَّهضة، لا تُقنعك بأنَّ الحضارة تُبنَى على محوِ ما سبقها، بل على إعادة ترتيب النَّظر إليه. الماضي فيها ليس ركامًا، بل طبقاتٌ من المعنَى والجَمَال يبني عليها اللَّاحق، ولا يعود إليها كما كانت.
ثمَّ وصلتُ إلى روما. وهربًا من المعكرونة، ووفرة النشويَّات، دخلتُ مطعمًا فارسيًّا بسيطًا في قلب المدينة الأبديَّة، وطلبتُ حساء «آش رشته». سألونِي: مَن أينَ أنتَ؟ قلتُ: من مكَّة المكرَّمة. ومضينا نتفاهم بما لا يحتاج كثيرَ كلامٍ. وفي تلك اللَّحظة أدركتُ أنَّ الحضارات تجد بعضها في عواصم الإمبراطوريَّات، وأنَّها لا تبقى؛ لأنَّها تنتصر في كلِّ معركة، بل لأنَّها تعرفُ كيف تُعيد تركيب نفسها من غير أنْ تفقدَ روحَها. فالمائدةُ الحضاريَّة ليست تفصيلًا، بل وعاءُ استمرارٍ؛ وليس عابرًا أنْ تحتفظَ الذاكرةُ الفارسيَّة نفسها بمركزيَّة الآش في لغتها وثقافتها.
من هنا أفهمُ تاريخ التَّنظيم الدوليِّ الحديث.
جاء التنظيمُ الدوليُّ الأوَّل مع عصبة الأمم بعد الحرب العالميَّة الأُولى: محاولةً لإخضاع القوة لفكرة التَّنظيم والتَّعاون. ثمَّ جاء التنظيمُ الدوليُّ الثَّاني مع الأمم المُتَّحدة سنة 1945: عالميًّا في لغته، فسيحًا لصراع الرأسماليَّة والشيوعيَّة، والاستعمار، وما بعد الاستعمار، وباردًا في بنيته. ولم ينشأ أيٌّ منهما من إصلاحٍ تدريجيٍّ، بل من عتبةٍ اضطرت البشريَّة عندَها إلى تسويةٍ دوليَّةٍ جديدةٍ.
والبشريَّة اليوم تقفُ على عتبةٍ مشابهةٍ. ليس لأنَّ الحروب كثرت فحسب، بل لأنَّ الصِّيغة القائمة أعلنت قصورها، ثمَّ واصلت التَّظاهر بالعمل. وهنا تبدُو غزَّة لا مجرَّد مأساة، بل مرآةً......
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة
