أربيل (كوردستان24)- يعتبر شهر نيسان (أبريل) من أقدس أشهر السنة في الديانة الإيزيدية، وله مكانة روحية عليا تجعله يُعرف بـ "عروس الأشهر". ومع حلول هذا الشهر واكتساء الطبيعة بحلتها الخضراء، تبدأ طقوس دينية واجتماعية متوارثة تحمل في طياتها معاني التجدد، والخير، والانسجام المطلق مع الطبيعة.
نيسان.. بداية الكون وتجدد الحياة
ترتبط قدسية شهر نيسان ارتباطاً وثيقاً بالنصوص الدينية الإيزيدية. وفي هذا السياق، أوضح الخبير في الشؤون الدينية الإيزيدية، شيرو سليمان، في حديث لـ "كوردستان 24"، أن "قدسية هذا الشهر مذكورة بوضوح في الأقوال والسبقات (النصوص الدينية المقدسة)".
ويشير سليمان إلى أن "شهر نيسان يمثل في العقيدة الإيزيدية الرمز والبداية لتكوين الحياة والكون، وهو إعلان عن تجدد الطبيعة وولادتها من جديد، مما يمنحه هذا الموقع الروحي الرفيع".
محرمات نيسان: لا زواج في شهر "العروس"
نظراً لهذه القدسية، تبرز مجموعة من المحرمات والتقاليد الصارمة التي يلتزم بها المجتمع الإيزيدي حتى يومنا هذا، وأبرزها الامتناع التام عن عقد القران أو إقامة حفلات الزفاف طيلة أيام الشهر، انطلاقاً من الاعتقاد بأن "نيسان هو العروس بحد ذاتها، ولا يجوز أن تُزف عروس أخرى فيه".
وحول هذا الإرث، يتحدث خادم المزار الديني، خدر حيدر، لكاميرا "كوردستان 24" قائلاً: "في كافة المناطق الإيزيدية، يبتعد الشباب عن الزواج في شهر نيسان كدليل على الاحترام العميق لقدسية هذه الفترة".
ويضيف حيدر: "هذا السلوك ليس مجرد عادة عابرة، بل هو من صميم التقاليد الدينية والاجتماعية التي صمدت لآلاف السنين، وما زالت العائلات الإيزيدية تتوارثها وتحافظ عليها جيلاً بعد جيل، لأنها تمثل جزءاً أساسياً من هويتنا الروحية والمجتمعية".
احترام الأرض ومنع الحراثة
ولا تقتصر طقوس نيسان على منع الزواج، بل تتجلى فيها فلسفة الإيزيدية في تقديس الطبيعة (الماء، التراب، النار، والهواء). ففي هذا الشهر، يُمنع منعاً باتاً حراثة الأرض أو الحفر فيها.
ويعود السبب في ذلك إلى أن الأرض في نيسان تعتبر في حالة "ولادة" ومصدراً للبركة وتجدد الحياة، ويعتبر خدشها أو حراثتها إيذاءً للطبيعة. وبدلاً من ذلك، ينظر الإيزيديون إلى نيسان بعين الطمأنينة والسلام، ويتخذون منه محطة للاحترام والتأمل العميق في عظمة الخالق وسحر الطبيعة.
أزهار الربيع وزيارات المعابد
وتتزامن هذه الفلسفة الروحية مع انطلاق العديد من المراسيم الدينية والزيارات إلى القرى والمزارات الإيزيدية المقدسة، وعلى رأسها معبد لالش. حيث يخرج الأهالي إلى أحضان الطبيعة لقطف الأزهار البرية، وتحديداً شقائق النعمان الحمراء، لتشكيل باقات تُعلق على أبواب المنازل، ومداخل الغرف، وفي المعابد، كرسالة خير وبداية لحياة جديدة مفعمة بالبركة.
وتُتوج هذه الطقوس النيسانية باحتفالات عيد (سري سال)، الذي يمثل رأس السنة الإيزيدية، ليؤكد هذا المجتمع العريق مرة أخرى على تمسكه بجذوره التاريخية وانسجامه التام مع دورة الحياة والطبيعة.
تقرير : ماهر شنكالي كوردستان24 دهوك
هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24





