قد يبدو السؤال في ظاهره بسيطًا؛ لكنّه في جوهره يطرح واحدة من أهم الإشكالات التي تواجه مؤسساتنا اليوم ويتمحور حول: هل نحن نبني الوظائف أم الإنسان؟ وهل ننظر إلى الموظف باعتباره شريكًا في البناء المؤسسي أم مجرد رقم في هيكل تنظيمي يمكن استبداله أو الاستغناء عنه في أي وقت؟
المؤسف أنّ كثيرًا من مؤسساتنا لا تزال تتعامل مع الوظيفة باعتبارها الأصل لا الإنسان، والموظف باعتباره البديل القابل للتغيير والتبديل ببساطة متناهية، بينما في الدول المتقدمة أصبح الموظف هو الأصل والوظيفة هي الإطار الذي يتطور بتطوره وينمو بنمو خبراته.
نحن في كثير من الأحيان ننتظر خروج الموظف أو تقاعده أو انتقاله إلى جهة أخرى، دون أن نتساءل لماذا غادر أصلًا، بينما تنظر المؤسسات في الدول المتقدمة إلى مغادرة الموظف المتميّز باعتبارها مؤشر خلل داخلي يستوجب الوقوف عنده ومعالجته.
في تلك المؤسسات لا يُنظر إلى الموظف كعنصر قابل للإحلال بسهولة، بل كقيمة مضافة تراكميّة يصعب تعويضها سريعًا؛ لأنّ الموظف لا يحمل معه مهام وظيفته فقط، بل يحمل ذاكرة مؤسسية، وعلاقات مهنية، وخبرة عملية، وفهمًا عميقًا لثقافة المؤسسة ومساراتها وتحدياتها، لذلك فإنّ خسارة الموظف هناك لا تعني شاغرًا وظيفيًا فقط، بل تعني خسارة استثمار طويل المدى في الإنسان والمعرفة ضاع سُدًى،
وقد قصّ عليّ أحد الزملاء العاملين في إحدى الشركات الأجنبية خارج السلطنة تجربة لافتة، حيث قال إنّ تلك الشركة تولي الموظف عناية متكاملة تبدأ من توفير بيئة عمل مريحة وتنتهي ببرامج تطوير مهني مستمرة، بل حتى الوجبات اليومية تُقدم داخل مقر العمل فضلًا عن المزايا الأخرى التي لا تجعل الموظف يفكر في شيء غير العمل والإجادة فيه، فهذه المزايا ليست ترفًا، بل جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الوظيفي ورفع مستوى الانتماء المؤسسي، فالمؤسسة هناك تدرك أنّ الموظف المستقر نفسيًا ومهنيًا هو الأكثر قدرة على الإبداع والإنتاج والاستمرار.
كما أنّهم يؤمنون بأنّ الإنسان هو الأصل وليست الوظيفة التي وجدت أصلًا لخدمة الإنسان، وهو يمثل العقل والإبداع، وهو المكلف بتطوير العمل، على ذلك فإنّ أي نظام إداري يضع الوظيفة قبل الإنسان هو نظام آيل حتمًا للفشل الأكيد على المدى الطويل، وسيفضي حتمًا لا ظنًا إلى تردي الإنتاجية وسحق كل ملكات الإبداع والابتكار لدى الموظف.
وفي شركات عالمية كبرى مثل Google وMicrosoft فإنهما يوفران بيئة عمل جاذبة مع دعم مطلق للموظفين وتوفير بيئات العمل المثالية لا من باب الرفاه الوظيفي فحسب، بل كقناعة استراتيجية مفادها أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، ولذلك لم تعد هذه الشركات تسأل: من سيشغل الوظيفة بعد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشبيبة
