باحثة وناقدة
يتشكّل المعنى داخل مسار يتطلّب كلفة داخلية، حيث ينخرط الوعي في تجربة تعيد ترتيب علاقته بالعالم وباللغة. في هذا المسار يتخذ الصمت هيئة مجال تتكثف فيه الخبرة قبل أن تتبلور في قول الإصغاء الذي يعمل هنا كفعل تأسيسي، تتلقّى عبره الذات طبقات المعنى في إيقاع يتجاوز الاستهلاك السريع للكلمات ويمنح الفكر زمنه الخاص.
في الفلسفة التجريبية يقدّم دافيد هيوم تصورًا يجعل الوعي تيارًا من الانطباعات المتعاقبة حيث تتكوّن الأفكار من ترابط هذه الخبرات داخل الذاكرة هذا الترابط يتحقق في عمق زمني تتماسك فيه التجربة وتتحول إلى معنى ،في هذا العمق يتبلور الصمت كحقل تتجمع فيه الانطباعات فتأخذ شكلًا أكثر كثافة واستقرارًا، يسمح للفكر بأن يعيد تنظيم ذاته.
مع نيتشه، يتخذ هذا العمق طابعًا وجوديًا حيث يرتبط المعنى بقدرة الكائن على خلق قيمه الخاصة. في هكذا تكلم زرادشت تمرّ الشخصية بمسار من العزلة والتكثيف تنضج خلاله الرؤية في الداخل قبل أن تنفجر في هيئة قول. الكلمة عند نيتشه تحمل أثر هذا المخاض وتظهر بوصفها نتيجة تراكم طويل من التوتر الداخلي. الفكر هنا فعل خلق، والصمت يشكّل شرط هذا الخلق، حيث تتكوّن القوة التي تمنح المعنى طاقته.
الأدب الروسي يقدّم تمثيلًا حيًا لهذا الثمن الوجودي. في الجريمة والعقاب يعيش راسكولنيكوف تجربة تتكثف فيها الأصوات الداخلية، حيث تتصارع التأويلات داخل وعيه إلى أن تنضج لحظة الاعتراف وفي هذه اللحظة تظهر كحصيلة مسار داخلي طويل تشكّل في عمق الصمت وفي الإخوة كارامازوف يحمل أليوشا تجربة روحية يتجسد فيها الفهم عبر حضور داخلي يتجاوز الجدل ويمنح المعنى بعدًا حيًا.
عند "تولستوي "تبلغ هذه التجربة درجة من الصفاء في موت إيفان إيليتش ، حيث ينكشف الوعي تدريجيًا عبر مواجهة الوجود في لحظته القصوى فالمعنى يتكوّن هنا داخل تجربة معاشة، تتكثف حتى تصل إلى وضوحها النهائي هذا الوضوح يحمل طابعًا وجوديًا عميقًا، يتشكّل في مسار داخلي يسبق كل تعبير مباشر.
في الفلسفة القارية، يعيد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
