وقتَ كتابة هذا النص، كانت الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران قد وصلت إلى طريق مسدود، بسبب التناقض بين المطالب الأمريكية الإسرائيلية من جهة، والنقاط الإيرانية من جهة أخرى، وكان الحديث جاريًا عن جولة أخرى بين الطرفيْن لم يتفق المسؤولون الإيرانيون على حضورها، ومن ثمَّ أفضى تأجيلها إلى أجل غير معلوم لتمديد واشنطن وقف إطلاق النار أحاديا بدعوى انتظار العرض المقدم من طهران.
كانت العقدة الرئيسية في المفاوضات الأخيرة تتمثل في مطالبة واشنطن طهران بتعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاما، وهو ما رفضته إيران قطعيا، فضلًا عن عروض أخرى تتعلق بنقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج. وعلى إثر ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حصار مضيق هرمز، الذي كان قد أُغلق فعليا منذ اليوم الأول للحرب.
غير أن اللافت في هذا السياق تغريدةٌ للسفير الإيراني في باكستان "رضا أميري مقدم" على منصة إكس بتاريخ 12 أبريل/نيسان 2026، وصف فيها المفاوضات الجارية بأنها "عملية" لا "حدث". وهو وصف دقيق يُعبِّر عن توجُّه إستراتيجي إيراني جديد، يعد محصلةُ انتقاداتٍ عديدة طالت أسلوب فريق "روحاني-ظريف" في إدارة المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق 2015. ويجري اليوم تحويل تلك الانتقادات إلى تطبيق فعلي؛ إذ إن المفاوضات الراهنة تُمثل من وجهة نظر الإيرانيين مسارًا شاملًا ينبغي إدارته بعناية وببطء إذا لزم الأمر، من أجل تفادي عيوب وثغرات اتفاق جنيف، وهو جوهر تغريدة أميري مقدم، الغامضة والملتبسة.
ديسمبر 2020.. انقلاب على جنيف في طهران
اغتيل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، الذي يُوصف بأنه "أبو البرنامج النووي الإيراني"، يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بالقرب من طهران. وبعد أقل من شهر، وبينما كانت نتائج الانتخابات الأمريكية قد اتضحت بفوز جوزيف بايدن قبل أن يتسلم منصبه رسميًا، اندلعت داخل البرلمان الإيراني موجة احتجاجات على هذا الاغتيال المنسوب إلى إسرائيل، تزامنت مع استمرار تداعيات انسحاب ترمب في ولايته الأولى من الاتفاق النووي. وتزعَّم تلك الاحتجاجاتِ "تيارُ بيداري" (تيار ثبات الثورة)، ومن أبرز وجوهه حاليًا سعيد جليلي.
كان لهذا التيار من قبل اعتراضاتٌ جوهرية على اتفاق 2015، خلاصتها أن الاتفاق يفتقر إلى ضمانات حقيقية تحول دون انسحاب الطرف الغربي منه في أي وقت، وهو ما تحقق فعلا في عهد إدارة ترمب الأولى (من المهم الإشارة أن سعيد جليلي تولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي في عهد حكومة نجاد ما جعله مسؤولا عن المفاوضات النووية في تلك الفترة).
مع اغتيال فخري زاده تجدَّدت تلك الاحتجاجات في البرلمان -الذي كان باقر قاليباف يرأسه آنذاك أيضا- وأفضت إلى إقرار قانون في ديسمبر/كانون الأول 2020، مؤداه العملي الانسحاب التدريجي من الاتفاق النووي؛ إذ نصَّ على أن إيران ملتزمة ببنوده حتى تلك اللحظة، لكن إذا لم تعُد أطراف الاتفاق إلى التزاماتها خلال شهرين، فلن تكون الدولة الإيرانية مُلزَمة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وستمضي في رفع نسبة التخصيب إلى 20%، وهو ما تحقق فعلا في منشأة فوردو بعد ذلك.
لاحقا، رفعت إيران -استنادًا إلى هذا القانون- نسبة التخصيب إلى 60% للمرة الأولى في تاريخها. ويلفت النظر هُنا أن أعضاء الوفد الإيراني الذي شارك في جولة المفاوضات التي عُقِدَت مؤخرا في إسلام آباد، هم أنفسهم أعضاء البرلمان الإيراني الذي صاغوا مشروع هذا القانون، ما يعني أنهم محملون بإرث الانسحاب الأمريكي السابق، ومسؤولية ضمان ألا يتكرر الأمر في أي اتفاق مستقبلي.
ففي قائمة الوفد الإيراني عضوان برلمانيان هما أبو الفضل عموئي ومحمد نبويان؛ الأول عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان ومساعد رئيسه قاليباف للشؤون الدولية والمتحدث باسم اللجنة، وهو من أعلن هذا القانون. والثاني عضو لجنة الشؤون التشريعية والقانونية، وهو من تولى الصياغة القانونية له، وكلاهما ينتميان إلى "تيار بيداري". وقد صرَّح عموئي عقب إصدار القانون قائلا إنه جاء تكريمًا لشهداء البرنامج النووي مثل فخري زاده، وأداةً لرفع تكلفة العقوبات المفروضة على الغرب.
أفضت هذه الأحداث إلى رفع نسبة التخصيب إلى حد وضعت معه إيران نفسها على عتبة القدرة على تصنيع سلاح نووي، بما يرفع سقف تفاوضها. وكان ذلك من جهة أحد العوامل التي دفعت ترمب إلى توجيه ضربات لمنشآت إيران النووية، وهي عقدة المفاوضات الرئيسية اليوم؛ إذ يتمسَّك الوفد الإيراني بأن القانون المذكور هو مرجعيته التفاوضية، ومن ثمَّ لا تراجع عن الإطار الذي يتيح له استئناف التخصيب متى تنصَّل الطرف الأمريكي من التزاماته، أو امتنع عن الرفع الدائم والنهائي للعقوبات.
أبو الفضل عموئي عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني (الصحافة الإيرانية)
وفي ظل الإغلاق المستجد لمضيق هرمز الذي كشف لإيران عن ورقة نووية جديدة، يُبدي المفاوض الإيراني بعض المرونة في مسألة نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، في بلد مثل روسيا، لكنه يشترط ألا يكون التخلي عن البرنامج النووي نهائيا موضوعا للتفاوض، وإن كانت ثمة مرونة ممكنة في مسائل مثل حجم المخزون المخصب، وشروط أجهزة الطرد المركزي، وآليات رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في المقابل، يسعى ترمب عبر مبعوثيْه فانس وويتكوف إلى تجنُّب أي التزام مؤسسي دولي يُنهي العقوبات بصورة دائمة ويقطع الطريق على إعادة فرضها.
وسط كل هذا الشد والجذب بين طهران وواشنطن، يبرز نهج إيران الجديد في التفاوض برعاية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وهو نهج يختلف جذريًا عن ذلك الذي أفضى إلى توقيع اتفاقية جنيف قبل 11 سنة برعاية الرئيس الإيراني حينها حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، الذي كان قد أثار استياء بعض صناع القرار الإيرانيين بمقال كتبه في مجلة فورين أفيرز الأمريكية قبل أسابيع قليلة، لما رأوه فيه من تنازلات غير مُبرَّرة، وركون إلى نمط قديم من التفاوض مع الولايات المتحدة لا يُراعي التحوُّلات التي جَرَت تحت إدارتيْ ترمب على مدار العقد الماضي، وهي تحوُّلات تمخَّض عنها نمط جديد من التفاوض نضج في إسلام آباد برعاية قاليباف وعراقجي.
إلى الشرق دُر!
لا يمكن النظر إلى القانون الذي أقره البرلمان الإيراني في ديسمبر/كانون الأول 2020 على أنه رد فعل ليس أكثر على اغتيال فخري زاده. إذ ينبغي الانتباه إلى أن البرلمان كان في الوقت ذاته يضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة لمدة 25 عاما مع الصين، ضمن سياسة عُرفت آنذاك بـ"النظر إلى الشرق".
وقد كانت هذه السياسة بدورها نتاجًا لانتقادات طويلة داخل البرلمان، أطلقها الأعضاء أنفسهم الذين أقروا قانون رفع نسبة التخصيب، والمشاركون الآن في وفد المفاوضات مع واشنطن.
وخلاصة تلك الانتقادات أنه لو أن المجهود الدبلوماسي الذي بذله روحاني وظريف -منذ أن كان الأول أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وقبل توليه الرئاسة- في مفاوضاتهما مع الولايات المتحدة، قد وُجِّه بالقدر ذاته نحو بناء شراكة إستراتيجية حقيقية مع الصين، لأمكن توظيف تلك الشراكة ورقة ضغط فاعلة في أي مفاوضات مع واشنطن.
"التفكير الإيراني تجاه الصين يدور حول سؤال محوري: كيف يمكن للشراكة مع بكين أن تجعل أي صراع تخوضه واشنطن مع طهران مكلفا للصين أيضًا؟"
ويمكن القول إنه بالتوازي مع إدارة ترمب الأولى ثم إدارة بايدن ثم الإدارة الراهنة، كان التفكير الإيراني تجاه الصين يدور حول سؤال محوري: كيف يمكن للشراكة مع بكين أن تجعل أي صراع تخوضه واشنطن مع طهران مكلفا للصين أيضًا؟ وبذلك يرتفع مستوى أي أزمة مع الولايات المتحدة من أزمة إقليمية إلى أزمة دولية تمس توازن القوى في عالم متعدد الأقطاب. هذا بالضبط ما يمكن أن يُعالج إشكالية ضمانات عدم الانسحاب المتكرر من أي اتفاق مستقبلي في نظر الإيرانيين.
لا تكشف وثيقة اتفاق المبادئ للشراكة الإستراتيجية مع الصين عبر موقع وزارة الخارجية الإيرانية عن تفاصيل كثيرة، إلا أنها تُشير إلى أن الاتفاقية شملت قطاعات عدة، منها التعاون الأمني والعسكري، ونقل التكنولوجيا من الصين إلى إيران لا سيما في مجال أنظمة الملاحة وبخاصة نظام "بايدو" الصيني البديل عن نظام "جي بي إس"، وانخراط إيران في مبادرة الحزام والطريق، ودخول الصين في مشاريع بنية تحتية في قطاعات النفط والغاز والتنقيب عن المعادن، وأبرزها المعادن النادرة التي تزخر بها الأرض الإيرانية.
علاوة على ذلك، تضمَّنت الاتفاقية الربط المالي والمصرفي بين البلدين لمواجهة العقوبات، من خلال النظام الصيني البديل عن نظام "سويفت" (SWIFT) العالمي المعروف بـ "نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود" أو "سيبس" (CIPS)، الذي يُعَدُّ نظام التحويلات المالية الأول المرتبط بتجارة النفط، وهو بديل جاد لنظام البترودولار.
بصورة لا تقل أهمية، سعت طهران عبر هذه الاتفاقية إلى إقامة مناطق حرة مع الصين حول مضيق هرمز، وبالأخص في جزيرة قشم، التي لوَّحت إدارة ترمب مرارًا أثناء الحرب بإمكانية غزوها برًا، إضافة إلى المنطقة الحرة في أروند التي تصل خُرَّمشَهْر بعَبادان، والمنطقة الحرة في كيش، وغيرها.
على الصعيد العسكري، يمكن النظر إلى هذه الحرب على أنها ميدان لاختبار التقنية العسكرية الصينية التي حازتها طهران بفعل هذه الاتفاقية. فقد زوَّدت الصين إيران بمنظومة الرادار "واي إل سي-8 بي" (YLC-8B) مطلع هذا العام ضمن البند العسكري لاتفاقية الشراكة الإستراتيجية؛ وهو رادار مضاد للتخفي يعمل بنطاق "التردُّد بالغ الارتفاع" (UHF) الذي يُمكنه رصد الطائرات الشبحية، ويمكن دمجه مع منظومات الدفاع الجوي الإيرانية القائمة مثل "إس-300 (S-300) الروسية و"إتش كيو-9" (HQ-9) الصينية التي تشير تقارير لم تؤكد بعد أن إيران تسلمت بعض وحداتها أو في طريقها إلى تسلمها.
وتشير التقارير المتعددة -وإن تفاوتت في تفاصيلها- إلى تضرُّر ما لا يقل عن طائرة واحدة من طراز "إف-35" (F-35) وعدد من الطائرات الأخرى بفعل المضادات الجوية الإيرانية المدعومة برادارات قوية، ما أضفى على الصراع أهمية تتجاوز نطاقه الإقليمي من حيث ما كشفه من إمكانات وقيود التقنية العسكرية الصينية في مواجهة أحدث أسلحة الجو الأمريكية.
"سيبس" على طاولة المفاوضات
كان أهم فصول الحرب بعيدا عن ميادين القتال فصلا ماليا بالأساس. وبعيدا عن ارتفاع أسعار النفط الذي شغل وسائل الإعلام، فإن ما أقلق واشنطن حقا كان التحول المؤقت الذي يحدث في كواليس النظام المالي. ففي يوم 8 أبريل/ نيسان وحده، جرى ضخ حوالي 1.2 تريليون يوانِ صيني (نحو 178.5 مليار دولارِ) للتداول عبر نظام "سيبس" من خلال 42 ألف معاملة، في رقم قياسي غير مسبوق حفَّزته الحرب. وكان ذلك استكمالاً لطفرة حصلت عبر النظام المالي نفسه في مارس/آذار، وهو شهر الحرب الأشد سخونة.
أضف لذلك أنه على مدار 5 أسابيع من الحرب، تمتد منذ منذ 25 فبراير/شباط إلى أواخر مارس/ أذار، انخفضت حيازات المؤسسات الرسمية الأجنبية (البنوك المركزية والحكومات والمؤسسات الدولية) من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 82 مليار دولارِ لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وذلك بدفع من دول مستوردة للنفط سارعت لتأمين الدولار في ظل ارتفاع أسعار الطاقة.
وبحسب مصادر مطلعة داخل إيران، كان ملف "سيبس" أحد الملفات الأساسية أثناء التفاوض في إسلام آباد، وهو ما يعضده التصريح المباشر من قاليباف أثناء الأسبوع الرابع للحرب، حين قال عبر تغريدة له على موقع "إكس" إن من يشتري أذونات الخزانة الأمريكية مساهم بشكل مباشر في تمويل الحرب على إيران.
وتُعَد الصين أحد أكبر الدائنين الأجانب للحكومة الأمريكية، وكانت تخوض تلك الحرب الاقتصادية قبل بدء الحرب الفعلية مطلع هذا العام، فقد قلَّصت استثماراتها في السندات الأمريكية إلى نحو 638-694 مليار دولارِ، وهو أدنى رقم لها منذ أزمة 2008. وزادت عمليات بيع الصين مع أسابيع الحرب،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
