ظلّت الممرات البحرية لعقود محورًا رئيسيًا في حسابات الأمن الاقتصادي العالمي، وكان مضيق هرمز المثال الأوضح على قدرة المضائق البحرية على التأثير في استقرار الأسواق الدولية، إذ يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي.
ومع حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، برزت أهمية هذا المعبر الحيوي لقطاع الطاقة عالميًا، ما أعاد توجيه الأنظار نحو مضيق تايوان، مع انتقال مركز الثقل الاقتصادي من الطاقة إلى التكنولوجيا.
فالمضيق يُعد أحد أخطر الممرات الاستراتيجية في العالم، ليس بسبب النفط، بل لأنه يربط العالم بأهم مركز لإنتاج أشباه الموصلات المتقدمة، وأي اضطراب فيه قد يصيب البنية الصناعية الرقمية للاقتصاد العالمي بأكمله.
هل يكون غزو تايوان خيارًا استراتيجيًا لبكين؟ تعد قضية تايوان من أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الدولية منذ عام 1949، وقد تحولت في الآونة الأخيرة من صراع مؤجل إلى احتمال قائم نتيجة تداخل الدوافع الأيديولوجية والعسكرية والتقنية.
سياسيًا، ترى بكين أن استعادة الجزيرة ضرورة لترسيخ شرعية الحزب الشيوعي الصيني، إذ يمثل بقاؤها خارج السيادة الصينية ثغرة في صورة "الصين القوية". كما أن السيطرة عليها ستعزز النفوذ العسكري الصيني في بحر الصين الجنوبي، في مقابل تراجع حاد في الثقة بالدور الأميركي والتزاماته الأمنية.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية تايوان في قلب التنافس على السيادة التكنولوجية، فالجزيرة تهيمن على الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات المتقدمة، ما يجعل السيطرة عليها فرصة استراتيجية للإمساك بسلاسل الإمداد العالمية.
اقتصاديًا، فإن إحكام السيطرة على بحر الصين الجنوبي يمنح بكين نفوذًا على تجارة سنوية تصل إلى 3.4 تريليون دولار، تمر عبره 60% من التجارة البحرية الآسيوية، إضافة إلى موارد طاقة تُقدر بنحو 11 مليار برميل نفط و190 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
تايوان.. قلب صناعة الرقائق العالمية تكمن خطورة مضيق تايوان في أن الجزيرة تمثل الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة توريد التكنولوجيا العالمية، فحسب تقديرات Boston Consulting Group وSemiconductor Industry Association، تستحوذ تايوان على نحو 60% من سوق التصنيع التعاقدي لأشباه الموصلات عالميًا، وتنتج أكثر من 90% من الرقائق المتقدمة الأقل من 10 نانومتر.
وتقف شركة TSMC في قلب هذه الهيمنة، إذ تعتمد عليها شركات مثل أبل وإنفيديا وإيه إم دي، ما يعني أن أي خلل في الإمدادات سيؤدي مباشرة إلى اضطرابات في قطاعات الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي والسيارات والصناعات الدفاعية.
كما تسيطر تايوان على 60% من إيرادات المسابك، بما يعادل 20.7% من ناتجها المحلي الإجمالي بإيرادات بلغت 165 مليار دولار في 2024، إضافة إلى استيراد معدات تصنيع أميركية قيمتها 2.3 مليار دولار خلال النصف الأول من 2025.
وإلى جانب قوتها التصنيعية، أصبحت تايوان مركزًا متقدمًا في تصميم رقائق الذكاء الاصطناعي، إذ بلغت قيمة صناعة تصميم الدوائر المتكاملة 25.5 مليار دولار في 2023، شكلت رقائق الذكاء الاصطناعي منها نحو 20%، مدفوعة بشركات مثل MediaTek والطلب العالمي المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ما الذي قد يمنع بكين من غزو تايوان؟ تُظهر المعطيات أنّ حزمة معقدة من القيود تجعل القرار مكلفًا إلى حد قد يتجاوز مكاسبه، أبرزها:
الكُلفة العسكرية: ذلك أنّ غزو جزيرة بحجم تايوان لن يكون عملية تقليدية، وهي تتطلب تفوقًا كاملًا في الجو والبحر وعلى الجبهة الإلكترونية.
الردع الأميركي: الولايات المتحدة لا تعلن صراحة أنها ستدافع عن تايوان، لكنها تبني ردعًا حولها من خلال وجود عسكري كثيف في المحيط الهادئ، ودعم تسليحي وتكنولوجي لتايوان، وتحالفات مع اليابان، وكوريا الجنوبية وأستراليا، ما يعني أنّ أي غزو قد يتحول إلى حرب كبرى بين قوى نووية.
الانتحار الاقتصادي المحتمل: فالاقتصاد الصيني يعتمد على التصدير وسلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا الغربية جزئيًا، وإذا غزت تايوان فستتعرض لعقوبات قاسية تقطع عنها الدولار وتجعلها في عزلة عن النظام العالمي، مع ما قد ينتج عن ذلك من حظر تكنولوجي وخروج الشركات الأجنبية، ما يعرض اقتصادها للركود ويهدد الاستقرار الداخلي.
درع السيليكون: فالصين نفسها تعتمد بشكل غير مباشر على تايوان لتأمين احتياجاتها من الشرائح الإلكترونية الدقيقة، وتدمير أو تعطيل تايوان يعني أيضًا ضررًا للصين وليس للغرب فقط.
إضافة إلى ما سبق، تمتلك الصين أدوات بديلة أقل كلفة بكثير من خيار الغزو المباشر، تتيح لها ممارسة ضغط استراتيجي فعّال دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة ذات مخاطر كارثية.
من الحصار العسكري إلى "حصار التأمين" أظهرت التطورات الحديثة أن تعطيل التجارة لا يتطلب إغلاقًا عسكريًا مباشرًا. ففي مضيق هرمز، كان مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية كافيًا لرفع أقساط التأمين على السفن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط
