الكاتبة الإسبانية المرموقة إيريني باييخو: مصر تمثل بداية كل شيء في الوعي الإنساني

أكدت الكاتبة الإسبانية المرموقة ايريني باييخو التي تعد من أبرز الرموز الإسبانية المعاصرة، أن مصر تمثل بداية كل شيء في الوعي الإنساني ونقطة الانطلاق الأولى لمسارات الثقافة والكتابة، لافتة إلى أن اختراع البردي شكل تحولًا نوعيًا في تاريخ الحضارة، وأسهم في تأسيس منظومات التدوين والمعرفة.

وأضافت الكاتبة الإسبانية المرموقة -في حوارها مع وكالة أنباء الشرق الأوسط تزامنا مع الاحتفال باليوم العالمي للكتاب - أن الحضارة والثقافة المصرية تعد كيانا حيا ومتجددا استطاع أن يواكب التحولات الحضارية عبر العصور ويظل فاعلًا في المشهد الثقافي العالمي.

وأعربت عن إعجابها بالأدب المصري الحديث، مشيرة إلى أعمال الأديب طه حسين، التي وصفتها بأنها "كلاسيكيات مستقبلية" تحمل قيمة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

كما تحدثت عن المكانة الدولية التي يحظى بها معرض القاهرة الدولي للكتاب، مؤكدة أنه أحد أبرز الفعاليات الثقافية عالميًا، ويعكس حجم الحراك الثقافي المتجدد في مصر.

وأكدت أنها جاءت إلى مصر بدافع معرفي عميق، ورغبة صادقة في التعلم من التجربة الثقافية المصرية، ومن شغف المجتمع بالكتاب والإبداع، معربة عن امتنانها للدعوة التي أتاحت لها فرصة التفاعل مع نخبة من المفكرين والكتاب والمترجمين وأمناء المكتبات.

وأشارت إلى أن هذا اللقاء يمثل نموذجًا حيًا للحوار بين الثقافات، ويعزز من فرص التقارب الإنساني والفكري بين الشعوب.

وأعربت ايريني باييخو عن انبهارها بمكتبة الإسكندرية وارتباطها الوجداني بهذا الصرح الثقافي العالمي، مؤكدة أن وجودها داخل أروقة المكتبة يمثل لحظة فارقة تتجاوز حدود التوقع، وتلامس جوهر تجربتها الأدبية والفكرية.

وقالت: "بالكاد أستطيع أن أصدق أنني أخيرًا داخل مكتبة الإسكندرية، هذا الفضاء المعرفي الذي يشكل القلب النابض للإنتاج الفكري والأدبي. حلم زيارة المكتبة ظل يراودني طويلًا، غير أن الواقع على حد وصفها فاق كل التصورات"، مشيرة إلى أن الأجواء الثقافية داخل المكتبة تعكس تمازجًا استثنائيًا بين عمق التاريخ وامتداد المستقبل، في تجلٍ حيّ لاستمرارية الحضارة الإنسانية.

وأكدت أن مكتبة الإسكندرية تمثل حالة حضارية متفردة، حيث تتجسد فيه طاقة الماضي، وإرث التقاليد ونبض الأدب في مشهد يعيد وصل ما انقطع بين الأزمنة، ويؤسس لجسر معرفي متين بين التراث والحداثة.

وقالت إنها تشعر وكأنها محاطة بأصوات وهمسات هذا التراث الإنساني العميق، معتبرة أن المكتبة تمثل "رسالة حب كونية" موجهة إلى المعرفة والفلسفة والأفكار والسرديات الإنسانية، بكل ما تحمله من قصص وأساطير وخرافات تشكل في مجملها غذاءً روحيًا للإنسان.

وأشادت بالترحيب الحار الذي لقيته خلال زيارتها، مؤكدة أن دفء الاستقبال المصري يعكس عمق الهوية الثقافية والإنسانية للشعب، ويضفي على التجربة بعدًا إنسانيًا بالغ التأثير.

كما أشادت بمكانة مدينة الإسكندرية، التي وصفتها بأنها تمثل حالة استثنائية ليس فقط على المستوى الوطني، بل في السياق العالمي، لما تحمله من خصوصية تاريخية وثقافية فريدة.

و أوضحت أن الإسكندرية نشأت من حلم تاريخي ارتبط بشخصية الإسكندر الأكبر، الذي تصورها كمدينة عالمية تحتضن المعرفة وتستلهم روح الأدب، مستحضرة في ذلك الإرث الإغريقي ورمزية الشاعر هوميروس.

وأكدت أن الإسكندرية تجسد نموذج "المدينة الكونية"، حيث شكلت عبر تاريخها نقطة التقاء للحضارات والثقافات المختلفة، مشيرة إلى أن كل التحولات الكبرى في التاريخ تركت بصماتها على هذه المدينة.

وتابعت: "الإسكندرية ليست مجرد فضاء جغرافي مأهول، بل هي في جوهرها رمز إنساني عابر للحدود، يخاطب الضمير العالمي، ويعكس طموح البشرية نحو التلاقي والتفاهم المشترك".

كما تطرقت إلي الحديث عن أهمية القراءة في ظل الظروف والتحديات الراهنة، مؤكدة أنها باتت تمثل ضرورة معرفية ملحّة تتجاوز كونها نشاطًا ثقافيًا تقليديًا، لتغدو ركيزة أساسية في بناء الوعي الإنساني وتعزيز الفهم العميق لتعقيدات الحياة البشرية.

وأوضحت أن القراءة تُعد أداة استراتيجية لتشكيل الوعي، إذ تسهم في تنمية الخبرات وصقل الطموحات وتوسيع آفاق الإدراك، بما يمكن الأفراد من استيعاب البنية المركبة للإنسان والمجتمع، ويعزز من قدرتهم على التفاعل الإيجابي مع التحديات المعاصرة.

وشددت على أن التبادل الثقافي بين الدول يمثل أحد أهم مرتكزات التقارب الحضاري، مشيرة إلى أن الترجمة تضطلع بدور محوري في نقل الإبداع الإنساني عبر الحدود، بما يضمن انسياب الأفكار وتكامل التجارب بين مختلف الثقافات وتشكل الترجمة جسرًا حيويًا لفهم الآخر واستيعاب رؤاه وتحدياته.

وأضافت أن الإبداع، إلى جانب الترجمة، يمثلان معًا أدوات استراتيجية لتعزيز التقارب بين الشعوب، وترسيخ الفهم المتبادل، وتهيئة المناخات اللازمة لصون السلام الدولي وتفادي النزاعات، لافتة إلى أن الكتاب يظل أحد أبرز الوسائط المعرفية القادرة على معالجة هذه القضايا بعمق وتأثير.

ولفتت إلى دعم إسبانيا للقضية الفلسطينية، مؤكدة أن الشعب الإسباني لديه موقف واضح وصريح في مساندة القضية الفلسطينية والدفاع عنها، مشيرة إلى الأدوار التي تضطلع بها المرأة الفلسطينية والعربية في ظل التحديات الراهنة.

وفي السياق الأكاديمي، أكدت الكاتبة أن المؤسسات الجامعية تضطلع بدور متقدم في ترسيخ هذه القيم، مشيرة إلى وجود التزام واضح بدعم ثقافة السلام، مدعومًا بحضور فاعل للمبادرات المجتمعية، لا سيما الجمعيات النسائية التي تنخرط بفاعلية في الدفاع عن هذه المبادئ وتعزيز حضورها في المجال العام.

وأشارت إلى أن الوعي المجتمعي بأهمية الثقافة والسلام يشهد تناميًا ملحوظًا، خاصة في إسبانيا، حيث تتواصل الجهود لإيصال الصوت الثقافي والدفاع عن هذه القيم، حتى في ظل تباين المواقف داخل الاتحاد الأوروبي.

ولفتت إلى أن مفهوم "السلام" يحمل دلالات عميقة في اللغة اليونانية، مؤكدة ضرورة إعادة النظر في السرديات التاريخية التقليدية، وتقديم رؤي تبرز أدوار الأفراد في بناء مجتمعات قائمة على الحوار والتفاهم.

يذكر أن إيريني باييخو من مواليد سرقسطة 1979 من أبرز الرموز الأدبية الإسبانية المعاصرة، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في الفقه الكلاسيكي من جامعتي سرقسطة وفلورنسا؛ ومنها جاءت ولادة فكرة كتابها "اللامتناهي في بردية: اختراع الكتب في العالم القديم" (2019). وتحول هذا العمل - الذي يعد الركيزة الأساسية لزيارتها لمصر- إلى ظاهرة في عالم النشر بترجمته إلى أربعين لغة ونشره في أكثر من سبعين دولة.

وحفلت مسيرة باييخو بأرقى التكريمات، وفي مقدمتها الجائزة الوطنية للمقال، والميدالية الذهبية للاستحقاق في الفنون الجميلة الممنوحة من الحكومة الإسبانية وعلى المستوى الدولي، تضم قائمة جوائزها "ليفير دي بوش" الفرنسية، وجائزة "وينجين" من مكتبة الصين الوطنية، وجائزة "ألفونسو رييس" المكسيكية، فضلاً عن وصولها للقائمة القصيرة لجائزة الأكاديمية البريطانية و تجلت كذلك مكانتها الأكاديمية بمنحها درجة الدكتوراه الفخرية من جامعات في المكسيك وجمهورية الدومينيكان وإسبانيا.

وأصدرت مجموعات من المقالات المختارة مثل "شخص ما تحدث عنا" (2017) و"أن تتذكر المستقبل" (2020)، بالإضافة إلى دراسات موجزة مثل "مانيفستو القراءة" (2020) وفي مسيرتها التي تشمل قوالب إبداعية متنوعة، تبرز أعمالها الروائية "النور المدفون" (2011) و"صفير الرامي" (2015)؛ وهي رواية تاريخية فريدة تحمل أصداءً من ملاحم هوميروس وفيرجيل وتُرجمت إلى لغات عديدة. كما نشرت كتابين مصورين هما "أسطورة المد والجزر الهادئ " (2023) و"مخترع الرحلات" (2024)، بهدف تقريب الأساطير الكلاسيكية من القراء الشباب. وفي السياق ذاته، يبرز اقتباس كتابها "اللامتناهي في بردية" إلى رواية مصورة (كوميكس) عام 2024 بالتعاون مع الرسام تيتو ألبا وإلى جانب نشاطها الأدبي، تشارك بنشاط في مشروعات اجتماعية، منها مشروع "كان هناك صوت"، الذي يعيد إحياء الأدب في مستشفيات الأطفال، ومشروع موتيتي "تراتيل في تشوكو" (كولومبيا)، و"القراءة في سالتا" (الأرجنتين) .


هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة دار الهلال

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
صحيفة اليوم السابع منذ 23 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 11 ساعة
موقع صدى البلد منذ 5 ساعات
موقع صدى البلد منذ 11 ساعة
بوابة الأهرام منذ 3 ساعات
صحيفة الوطن المصرية منذ 11 ساعة
قناة اكسترا نيوز منذ 4 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 6 ساعات