لا تقسموا السودان مرة أخرى: لم ينجح هذا سابقا ولن ينجح الآن

فرانسيس دينغ؛ أحمد كدودة* - (الإندبندنت) 2026/4/11

يتجه السودان، مع تصلب خطوط القتال وتعدد مراكز السلطة، نحو تفكك قد يبدو للبعض مخرجاً من الحرب، لكنه في الواقع مرشح لإعادة إنتاج العنف في صورتين أضعف وأكثر هشاشة، كما حدث بعد انفصال جنوب السودان. فالأزمة لا تختزل في انقسام جغرافي بين قوتين متحاربتين، بل تمتد إلى شبكة عميقة من المظالم والولاءات المتشابكة والاقتصادات غير المشروعة والصراعات المحلية، بما يجعل أي تقسيم جديد وصفة لمزيد من التفكيك وزعزعة الإقليم كله.

***

بعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية الكارثية في السودان، تصلبت خريطة الجبهات المتناثرة في البلاد إلى ما يشبه تقسيماً فعلياً. فقد أحكمت القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان سيطرتها على معظم شمال السودان وشرقه ووسطه، بينما تهيمن قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، على دارفور في الغرب وعلى معظم إقليم كردفان في وسط البلاد. وأقام الطرفان حكومتين متنافستين -حكومة القوات المسلحة السودانية بين بورتسودان والخرطوم، وحكومة قوات الدعم السريع في نيالا بجنوب دارفور- إلى جانب اقتصادين آخذين في التباعد. وعلى الرغم من إصرار الطرفين علناً على أنهما يقاتلان من أجل الحفاظ على وحدة السودان، فإن استمرار هذا الانقسام سيجعل من إعادة جمع البلاد أمراً أشد صعوبة.

أدى هذا الانقسام الإقليمي الظاهر، إلى جانب فشل محاولات عديدة للتوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية تُبقي السودان موحداً، إلى تصاعد الحديث عن احتمال تقسيم السودان رسمياً مرة أخرى، بعد 15 عاماً من انفصال جنوب السودان. وقد حذرت مراكز أبحاث كبرى، من بينها "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، من أن السودان يقف على شفا انقسام جديد. كما أنشأت قوات الدعم السريع وحلفاؤها المدنيون هياكل إدارية لإدارة غرب السودان بصورة مستقلة. ويكتفي بيانهم السياسي بالإشارة إلى إمكان "الوحدة الطوعية" للبلاد، لكنه يعلن أيضاً أن "جميع الشعوب السودانية... تتمتع بحق تقرير المصير". ويتسارع هذا الانزلاق التدريجي نحو التفكك، إذ تعمل قوات الدعم السريع على إنشاء بنك مركزي مواز، فيما يخطط كل طرف لإجراء امتحاناته المدرسية الوطنية الخاصة به.

إن الانطباع السائد خارج السودان بأن قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية تعبران عن هويتين مختلفتين، يجعل تقسيم البلاد يبدو، في الظاهر، مخرجاً مباشراً من العنف الممتد. ووفق هذا الفهم السطحي، تُقدَّم القوات المسلحة السودانية بوصفها امتداداً للطبقة الحاكمة التقليدية في البلاد، أي النخبة العربية النهرية والإسلامويين الذين هيمنوا طويلاً على السياسة السودانية، فيما تُصوَّر قوات الدعم السريع وحلفاؤها على أنهم ممثلون، في الغالب، للجماعات العربية الرعوية وجماعات أخرى في دارفور وكردفان طالما همشتها الخرطوم.

لكن التقسيم سيكون خطأً فادحاً. فهو لن يفضي إلى قيام دولتين قابلتين للحياة اقتصادياً، ولن يضع حداً للعنف الذي يعصف بالسودان منذ ما قبل استقلاله في العام 1956. ويشكل جنوب السودان عبرة واضحة: فقد كان الهدف من استقلاله في العام 2011 حل نزاع مشابه، لكنه أخفق إخفاقاً ذريعاً في تحقيق ذلك، على الرغم من أن جنوب السودان تلقى دعماً دولياً أكبر بكثير مما يمكن أن تحظى به دولتان سودانيتان جديدتان. واليوم، تتجاوز خطوط الصدع في السودان بكثير حالة الجمود العسكري التي توحي ظاهرياً بانقسام البلاد بين شرق وغرب. وأي محاولة لتكريس هذا الانقسام رسمياً لن تعالج الأسباب الجذرية للصراع، بل قد تزيده سوءاً.

الماضي مقدمة لما هو آت

لطالما كان السودان أحد أكثر بلدان أفريقيا تنوعاً، وقد جمعته ضرورات استعمارية ظرفية. فمنذ نشأته، كان موطناً لمئات الجماعات العرقية؛ تركزت المجموعات العربية المسلمة على امتداد نهر النيل، بينما غلبت على الجنوب المجتمعات غير العربية المسيحية وأتباع الديانات المحلية. وقد رسخ نصف قرن من الحكم البريطاني، الذي بدأ في العام 1899، هذه الانقسامات، فوضع الجماعات العربية النهرية في مواقع السلطة، وأقام البنية التحتية في الشمال على نحو شبه حصري. أما جنوب السودان، فقد حكم وفق "سياسة جنوبية" منفصلة تركته متخلفاً عمداً.

ومع انتقال السلطة إلى النخب الشمالية قبيل الاستقلال في العام 1956، اندلعت الحرب الأهلية. ثم انهار اتفاق السلام المبرم في العام 1972، الذي أنهى الحرب الأهلية السودانية الأولى، خلال أقل من عقد، بعدما فرضت الخرطوم الشريعة الإسلامية على البلاد كلها. وكانت الحرب الأهلية السودانية الثانية أشد فتكاً، إذ حصدت أكثر من مليوني قتيل بين العامين 1983 و2005، بينما كان متمردو الجنوب يقاتلون من أجل قدر أكبر من النفوذ. وأنهى اتفاق السلام الموقّع العام 2005 القتال، ومهد لاستفتاء تقرير المصير في الجنوب في العام 2011، وهو الاستفتاء الذي أيده 99 في المائة من سكان جنوب السودان.

ولطالما تمسّك الاتحاد الأفريقي وقادة أفارقة آخرون بمبدأ تثبيت الحدود الاستعمارية في القارة تفادياً لنزاعات إقليمية لا تنتهي. لكن تقسيم السودان لقي قبولاً واسعاً بوصفه استثناء، انطلاقاً من الاعتقاد بأن شمال السودان العربي المسلم وجنوبه الأفريقي المسيحي لا يمكن أن يتعايشا في كيان سياسي عادل وموحد. وضخت الولايات المتحدة وأوروبا موارد كبيرة في جنوب السودان الوليد، على أمل أن تضمن احتياطياته النفطية الضخمة التنمية والاستقرار.

لكن ذلك التفاؤل كله تبخر في غضون عامين. في الحقيقة، لم يكن الصراع الذي بدا مرسوماً بوضوح نسبي على أسس إقليمية وعرقية - دينية بهذه البساطة أبداً. فقد نشأت الصراعات الهوياتية من فشل الدولة السودانية في إدارة التنوع على نحو بناء على مختلف المستويات، سواء بين الكتل الكبرى أو داخل المجتمعات الأصغر. وكشف استقلال الجنوب، بدل أن يحل، طيفاً واسعاً من المظالم -من النزاعات حول حقوق رعي الماشية، والسيطرة على المناطق النفطية، والتنافس على المناصب الحكومية وشبكات المحسوبية السياسية- كانت مندمجة ضمن صراع الجنوب والشمال. وبدأت النخب السياسية التي خاضت معاً كفاح التحرير تقتتل في ما بينها، مستخدمة الأساليب نفسها من التهميش والتعبئة العرقية ونهب الموارد التي استخدمتها الخرطوم ضد الجنوب. وفي أواخر العام 2013، تحول خلاف سياسي بين رئيس جنوب السودان سلفاكير ونائبه رياك مشار إلى حرب أهلية أودت بحياة نحو 400 ألف شخص، وشردت أكثر من أربعة ملايين خلال الأعوام الخمسة اللاحقة.

ونظراً إلى أن جنوب السودان نال سيادته قبل معالجة الأسباب الجذرية للصراع أو إصلاح اقتصاد عاش على وقع عقود من التمرد، فإن الاستقلال لم يفعل سوى نقل خطوط النزاع من مكان إلى آخر. ودارت الحرب أساساً بين جماعة الدينكا التي ينتمي إليها كير وجماعة النوير التي ينتمي إليها مشار، واتهم الطرفان بارتكاب فظائع جسيمة ضد المدنيين. ومع ذلك، لم يبق العنف محصوراً في هاتين الجماعتين. فقد شكلت جماعات أصغر فصائل مسلحة خاصة بها، تحالف بعضها مع كير وبعضها الآخر مع مشار. ومضت جماعات أخرى في السعي وراء أجنداتها المستقلة، مستخدمة العنف لمعالجة مظالم محلية لم يحلها استقلال جنوب السودان أبداً.

وتفاوض وسطاء دوليون على اتفاقي سلام في العامين 2015 و2018، وشُكلت في كل مرة حكومات لتقاسم السلطة بهدف توجيه البلاد نحو انتخابات وسلام أكثر دواماً. لكن التنفيذ الكامل للاتفاقات تأخر باستمرار، وبقيت الوعود من دون تنفيذ. واتضح أن الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي قادت كفاح الجنوب ثم أصبحت الحزب الحاكم، كانت أمهر في خوض الحرب منها في بناء الدولة. أما الثروة النفطية التي تمثل نحو 98 في المائة من إيرادات الحكومة، فقد وُجهت منهجياً إلى شبكات المحسوبية والولاء والحسابات الخاصة، لا إلى البنية التحتية أو التعليم أو الرعاية الصحية. وقد أبرز تقرير للأمم المتحدة صدر في أيلول (سبتمبر) 2025 كيف أن نحو 25 مليار دولار من عائدات النفط التي دخلت جنوب السودان منذ الاستقلال لم تُترجم إلى أي تحسن في قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية لشعبها. وهكذا أصبح البلد نموذجاً صارخاً للفساد؛ واستمر نظامه السياسي واقتصاده في مكافأة العنف، فيما كان كير يشتري ولاء أنصاره ومنافسيه المحتملين عبر توزيع عائدات النفط عليهم. ومع ذلك، كان جنوب السودان يصدر كل نفطه عبر خط أنابيب يمر في السودان. وعندما عطلت الحرب الأهلية السودانية هذا الخط، لم تعد حكومة جنوب السودان قادرة على توفير الغنائم التي كانت تضمن سيطرة كير.

وأصبح الاستبعاد من شبكات المحسوبية حافزاً جديداً للتمرد. في آذار (مارس) 2025، وبعد أزمة مالية نجمت عن تعطل خط الأنابيب، اجتاحت ميليشيا من النوير تدعم مشار قاعدة لجيش جنوب السودان قرب الحدود الإثيوبية. ورداً على ذلك، وضع كير مشار قيد الإقامة الجبرية، واعتقل عشرات من كبار شخصيات المعارضة، ثم وجه إليه في أيلول (سبتمبر) تهم الخيانة والقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعندها أعلنت فصيلة مشار أن اتفاق السلام للعام 2018 لم يعد قائماً. وتجدد القتال في ولايات أعالي النيل وجونقلي والاستوائية الوسطى. وفر نحو 300 ألف مدني من البلاد خلال العام 2025، عبر نصفهم إلى السودان، معتبرين جارتهم التي مزقتها الحرب ملاذاً أكثر أمناً.

لا حلول سهلة

يبين مسار جنوب السودان أن التقسيم لا يحل شيئاً ما دامت الدولة تُعامل بوصفها غنيمة ينبغي الاستيلاء عليها واحتكارها، لا مؤسسة يفترض أن تخدم مواطنيها. ومن شأن تقسيم السودان مرة أخرى أن يعيد إنتاج هذا الاضطراب، لا سيما أن دولتين سودانيتين جديدتين لن تكونا قادرتين على اجتذاب الدعم الدولي والمساعدات الإنسانية والاهتمام الدبلوماسي اللذين حظي بهما جنوب السودان. وإضافة إلى ذلك، فإن توزيع الموارد الطبيعية الوفيرة في السودان وأنماط التجارة فيه يجعلان أي تقسيم رسمي غير منطقي اقتصادياً. فالقوات المسلحة السودانية تسيطر على البنية التحتية الحيوية في الشرق والوسط، وعلى جميع موانئ السودان على البحر الأحمر، وكذلك على مصافي النفط وخطوط الأنابيب التي تنقل النفط إلى الساحل. كما تسيطر على أراض زراعية شاسعة على امتداد وادي النيل.

في المقابل، تسيطر قوات الدعم السريع على كثير من مناطق إنتاج النفط قرب الحدود مع جنوب السودان، وعلى معظم الثروة الحيوانية في البلاد -وهي العاشرة عالمياً من حيث العدد- وعلى معظم إنتاج الصمغ العربي الذي يتصدر السودان إنتاجه عالمياً. أما رواسب الذهب، فهي موزعة بين المنطقتين، لكنها لا تكفي لإسناد اقتصادين مستقلين. وأي دولة جديدة في غرب السودان تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع -وهي قوة شبه عسكرية تفتقر إلى خبرة الحكم- ستجد نفسها بلا منفذ بحري، ومقصاة من مسارات التصدير الرسمية، ومعتمدة على شبكات التهريب عبر تشاد أو ليبيا. وستسيطر على حقول النفط، لكنها لن تجد سبيلاً لتصدير الخام من دون اتفاق مع القوات المسلحة السودانية لاستخدام مصافيها ومحطات التصدير التابعة لها، وهو اتفاق يصعب تخيله في ظل العداء الطويل بين الطرفين. وحتى لو أمكن التوصل إلى ترتيب رسمي،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ ساعتين
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 11 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 11 ساعة
قناة المملكة منذ 6 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 8 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 7 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 8 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 7 ساعات