هيت لكم زيادات فقد خمدت الأصوات

منذ خمس سنوات على الأقل( أزمة كورونا) لم ينقطع لهيب الأسعار عن لفح جيوب الأغلبية العظمى من المغاربة .

و قد شمل ارتفاع الأسعار ،غير المتناسب بتاتا مع واقع أجور و دخل هؤلاء كل المواد و المنتجات أمام عجز فادح في تدخلات الحكومة للحد من ذلك و عجز أفدح للقوى الاجتماعية المناضلة عن الدفاع عن القدرة الشرائية للمغاربة.

حكوميا يبدو الأمر طبيعيا ما دمنا أمام مركب حكومي ليبرالي لا يؤمن بغير السوق و منطقه.

و لكن غير الطبيعي هو أن تفقد قوى المجتمع ذات الهوية و النفس الاجتماعيين صوتها و تركن إلى مهادنات و ترضيات و تبريرات و فذلكات إنشائية متخلية بذلك عما كانت عليه.

يذكر تاريخ الحركة الاجتماعية الديمقراطية بالمغرب النقابية و حليفتها السياسية بأن الإضراب العام ل20 يونيو 1981 كان من بواعثه الأساسية، قرار حكومة آنذاك بالزيادة في ثمن الكوميرة بضع سنتيمات .

نعم بضع سنتيمات لم تتجاوز فيما أذكر 20 سنتيما . أي ربعة دريال .

و كان ذلك كافيا لتهب نقابات و أحزاب، كانت يقظة متوثبة و صادقة تقول ما تفعل و تفعل ما تقول وفية لمبادئها و قيمها المؤسسة مما منحها تمثيلية واسعة و سط المجتمع بكل فئاته و شرائحه و جعلها بحق صوته .

كان ذلك كافيا لتهب هذه النقابات و الأحزاب و معها الشعب كل الشعب تقريبا .

و كان الإضراب العام بوقائعه الأليمة و شهدائه الذين نعتتهم وقاحة و صلافة الصدر الأعظم لتلك المرحلة ب شهداء كوميرة و معتقليه و مطروديه و صخبه الكبير الذي خلف رجة كبرى داخل المجتمع و الدولة و المؤسسات.

من المؤكد أنه ما بين نهاية ربيع 1981 و بداية رييع 2026 قد جرت مياه كثيرة تحت الجسور جسور المجتمع و الدولة و المواطنين و المثقفين و الإعلاميين و الأحزاب و النقابات و المؤسسات و الدساتير و التشريعات و القيم و التمثلات وهناك فروق شاسعة في الزمن كما في كل شيء و لا مقارنة مع وجود الفارق و مابالك إذا كانت هناك فوارق كبرى و كثيرة .

مياه كانت حابلة و جارفة بالتغييرات العميقة و المتسارعة وطنيا و كونيا منها الإيجابي و منها و السلبي : ديموغرافيا نسبة التمدن و التمدرس انهيار كثير من القيم سطوة العالم الرقمي ثورة التكنولوجيا، انهيار جدار برلين و عودة الأحادية القطبية العولمة الجارفة الهيمنة المطردة لاقتصاد و مجتمع السوق و التوحش الرأسمالي الصعود المتواتر لليمين المتطرف غربا و شرقا التقدم الدستوري توسع الهوامش الديمقراطية تراجع منسوب التنخيب و الثقة و المشاركة الضمور المتوالي للديمقراطية التمثلية ارتفاع منسوب الوعي الفردي و الجماعي بروز أجيال جديدة من المطالب و التعبيرات و التنظيمات و من وسائل و وسائط التعبير و على رأسها شبكات التواصل الاجتماعي و شبكات الحالات الاجتماعية r seaux sociaux et r seaux cas sociaux، تراجع فظيع في مهام و مصداقية الوسائط التقليدية تطور في سلوك و خطاب الدولة نحو انفتاح أكبر و حداثة أكثر مع استمرار ذات الهجانة المعروفة و هلم تغييرات محليا و كونيا تتراوح بين الجمال الأخاذ و البشاعة المقرفة بين الإيجابية النافعة للمجتمع و الدولة ،و بين السلبية الضارة لكليهما أيضا.

و كان لمجمل هذه التحولات الزائدة في تسارعها الأثر البالغ على العالم و المجتمعات و الدول و الأحزاب و النقابات و الاقتصاديات

و حيث أن حديثنا قد انطلق بالتذكير بلحظة موشومة في التاريخ النضالي السياسي و الاجتماعي الوطني مر عليها اليوم قرابة نصف قرن و لا مجال لإسقاط ظروفها و حيثياتها و فاعليها و مجتمعها و دولتها على زمننا الراهن لأن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، كما جاء في أحد خطب جلالة الملك ،و كما كان يقول السي عبد الرحيم بوعبيد و لأن المنطق التاريخي / الدياكروني diachronique يحتم ذلك فإنه لا بأس أن نقف على التحول و التغير البشع الشبه جذري الذي مس ما سبق أن أسميناه صوت الشعب أي النقابات و الأحزاب التي كانت تستحق إسمها و على أساس هذا الاستحقاق وثق و ثاق الشعب المغربي فيها و انتظم فيها و احتضنها و كانت نداءاتها و مواقفها تجد كبير الصدى و التجاوب و التفاعل لديه.

لقد كان قلب معظم المثقفين و الإعلاميين و الموظفين و العمال و الطلبة و الفلاحين و الجامعيين و الحرفيين يخفق يسارا حزبيا و نقابيا لأن المسألة الديمقراطية و المسألة الاجتماعية هي مبدئيا من صميم الحمض النووي لليسار و كان هذا الخفقان يسارا في السياقات الصعبة لما أصبح معروفا بسنوات الرصاص بما كا يعنيه ذلك من كلفة باهظة وصلت حد الاستشهاد .

لماذا ؟

لأن الأحزاب و النقابات إياها كان مشروعها يتأسس على النضال و التضحية دفاعا عن الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية للمواطنين عن الحربة و الكرامة و العدالة الاجتماعية، عن القدرة الشرائية و تحسين الظروف المعيشية و تحصين الحريات الفردية و الجماعية

و كان مشروعها خاصة بعد 1975 يزاوج بين العمل ميدانيا داخل المجتمع و مختلف فئاته السوسيومهنية و السوسيواجتماعية تأطيرا و تعبئة و توعية و تنظيما و احتجاجا ،و بين العمل داخل المؤسسات المحلية و الوطنية ترافعا و بلورة للمشاريع و البرامج ..

لم تكن واجهة ما تلغي الأخرى . و لا تعارض بين النضال المجتمعي و النضال المؤسساتي مادامت الغاية المثلى هي محاولة إعطاء المشروع المجتمعي لهذه الأحزاب و النقابات معنى ملموس يحس به الناس في معيشهم المادي منه و المعنوي.

ماذا تبقى من ذلك ؟

و خاصة من النضال الميداني المجتمعي ؟

و هل مازالت الأحزاب و النقابات التي كانت بحق صوت الشعب هي نفسها أو على الأقل تشبه ما كانت عليه ؟

الجواب معلوم لدى الجميع و يتردد على كل الألسن و في كل المجالس.

فمركزية العشرين من يونيو تشتتت و هزلت و وهنت حتى برز العظم منها .

و الحزب مؤسسها راعيها و حليفها صار شذرا مذرا مهجورا و تفرق تراثه و إرثه بين القبائل و المواقف و المواقع.

هل كان مطلوب منهما أن يبقيا كما كانا بعد كل التجريف الذاتي و الموضوعي الذي لحقهما ؟

طبعا لا .

هل كان بإمكانهما مقاومة عوامل التعرية و الحفاظ و لو على الحد الأدنى من رصيدهما و تراثهما و قيمهما و ارتباطهما بعمقهما الجماهيري أي مواصلة الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ ؟

طبعا نعم.

و لكن و مع كامل الأسف فالحاصل هو العكس تماما.

لقد وقع التخلي التدريجي و بشكل نهائي عن النضال المجتمعي لفائدة الصراخ المنبري التلفزي الذي ينفر الناس أكثر مما يحببهم و لفائدة عمل الإثنين و الثلاثاء البرلماني الذي لم يعد يستهوي أو يقنع أحدا و احتل التكتيكي كل حيز الاستراتيجي و صار البرنامج الانتخابي بديلا عن المشروع المجتمعي كما صار اليساري يتسول مكانا و لو صغيرا إلى جانب اليميني الليبرالي و حتى الرجعي المحافظ متى كان فولتير يتسول في الكنائس؟ .

و الحوصلة هوة سحيقة بين صوت الشعب و حاضنته المجتمعية بفعل انزياح المؤسسة الحزبية إلى البيروقراطية ( تروتسكي) و الزعامات الدائمة، و الخوف المرضي من كل ما هو جماهيري و اختزال الفعل الحزبي في الموسم الانتخابي و انزياح المؤسسة النقابية إلى إنتاج و خدمة ما أسماه لينين بالأرستقراطية النقابية Aristocratie syndicale عوض خدمة منتسبيها و المرتبطين بأفقها مما جعلها محارات فارغة تكاد لا تمثل شيئا أو أحدا .

الدليل القاطع على كل ما سبق هو ردة الفعل المحتشمة و الباردة و المخزية جدا للنقابات و الأحزاب ،التي كانت توصف بالمناضلة اتجاه موجة الغلاء الفاحشة و الزيادات المستمرة و المتصاعدة في الأسعار على الأقل منذ زمن كورونا و زادت استفحالا منذ الحربين الجاريتين ( روسيا _ أوكرانيا و إيران _ أمريكا ) و قد قصمت ظهر معظم فئات المجتمع و لا يبدو أن هناك أفقا أو إرادة رسمية للتدخل من أجل الحد منها .

إذ باستثناء بعض إجراءات معزولة و جد محدودة من حيث الاستهداف ،فإن حكومة الرأسمال و تضارب المصالح تواصل غض بصرها عن واقع أسعار معظم المواد الأساسية بمنطق مفرط في ليبراليته مناقض لبدعة/ نكتة، h r sie/ anecdote الحكومة الإجتماعية التي تزعم أنها هويتها.

بالطبيعة و بالتعريف فإن كل حكومة هي اجتماعية . إذ لا يتصور عاقل بأن حكومة أو دولة ما قد تسم نفسها بغير هذا التعريف. فالتعليم و الصحة و الرعاية الاجتماعية و الشغل و السكن و الترفيه و الأمن هي مواضيع و قضايا تشترك في رفعها كشعارات و طرحها كبرامج كل حكومات العالم و بذلك تستحق صفتها و طبيعتها الاجتماعية، و لا يمكن لعاقل أن يتصور حكومة لا تضع هذه القضايا ضمن أولوياتها.

و لكن السؤال المركزي هو : كيف تمول كلفة اجتماعية الحكومة ؟ من يتحمل هذه الكلفة ؟ ما نصيب ميزانية الدولة و نصيب ميزانية الفرد ؟ ما موقع من لا ميزانية له أصلا؟ الحكومة الاجتماعية بطبعها r gulatrice هل و متى لعبت حكومتنا هذا الدور ؟ ألم تدخلنا هذه الحكومة بلا رجعة اقتصاد و منطق السوق و التحرير الكلي للأسعار تاركة كل فئات المجتمع، تقريبا، في مواجهة مباشرة مع الشناقة و الوسطاء و تجار الأزمات و الفراقشية و كارتيلات الاحتكار؟

و أي دور للقوى السياسية و الاجتماعية الحاملة فعلا و قولا للهم الاجتماعي في تحويل الشراع نحو اجتماعية حقيقية للحكومة ؟

يجزم المنطق التاريخي بأنه من الاستحالة أن يعيد التاريخ نفسه و أن يعود صوت الشعب إلى ما كان عليه بعد أن فعل فيه التاريخ أسوأ ما يمكن أن يفعله في حركة سياسية ،اجتماعية ديمقراطية من مسخ و بعد ما فعله فيه الزمن و بعض أبناءه / قادته من عجن و خلط حتى شوهت خلقته و هويته.

هل بإمكان التاريخ أن يعيد صوت الشعب إلى ما كان عليه ؟

مستحيل.

بل إن التاريخ قد يستمر في فعل فعله و يؤدي إلى اندثار ما تبقى من هذا الصوت . فهناك حضارات بعظمتها سادت ثم بادت و مابالك بحركات سياسية و اجتماعية لم تعد تطرب أذنا أو تستهوي أحدا أو تلعب دورا : أين يسار مصر و تونس و العراق و سوريا و السودان و حتى إيران ؟

أين أكبر حزب شيوعي بأوروبا ( الإيطالي ) ؟ كلشي راح مع الزمان كلشي صار فخبر كان .

ما العمل إذن و قد خمدت هذه الأصوات مغربيا و قد تذهب إلى زوال ؟ .

هل تعالج المسألة الاجتماعية بتعاقب انتخابات و مجيء و ذهاب حكومات تكاد تكون نسخا مطابقة لبعضها عند الفعل و ليس القول ؟

لا.

من هنا تبرز الخصوصية المغربية فيما يتعلق بمركزية الدولة و أدوارها التنفيذية اللازمة و الضرورية لكل وقت و حين .

لقد أطلق الملك محمد السادس برامج اجتماعية بأبعاد استراتيجية يجب حمايتها من أية استعمالات أو توظيفات سياسية/ انتخابية..

برامج و أوراش كبرى تستهدف تأهيل و تنمية المجال و الإنسان، لخلق الثروة و تحقيق الكرامة و العدالة الاجتماعية .

برامج و أوراش لتأهيل و تحويل النموذج الاقتصادي الوطني ( التصنيع) و تأهيل التراب الوطني( التمدن) و تأهيل البناء المؤسسي الوطني( الدمقرطة) و تأهيل الوعي الوطني( التحديث) .

إن أمل و مصلحة المغرب و المغاربة هو أن تبلغ هذه الأوراش و البرامج مداها و مبتغاها برعاية من الدولة .

و أما مع مثل هذه الحكومة أو غيرها فهيت لنا زيادات .

لقد خمدت الأصوات.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة
Le12.ma منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 16 ساعة