«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها: توني بلير في بريطانيا، وغيرهارد شرودر في ألمانيا، وماسّيمو داليما في إيطاليا، وليونيل جوسبان في فرنسا، ويم كوك في هولندا وأنطونيو غوتيرّيش في البرتغال. وأيضاً، على «رأس المفوضية الأوروبية» كان يجلس اليساري رومانو برودي، وهو الإيطالي الوحيد الذي هزم الملياردير اليميني سيلفيو برلوسكوني في الانتخابات العامة. ولتكتمل الصورة أوروبياً، كان التقدمي الفرنسي ميشال كامديسّو القريب من الحزب الاشتراكي يعتلي قمة «صندوق النقد الدولي». أما في الولايات المتحدة، فكانت الرئاسة معقودة اللواء لبيل كلينتون، أحد أكثر وجوه الحزب الديمقراطي «كاريزمية» وليبرالية. ولكن مع بداية الربع الثاني من هذا القرن يبدو المشهد أقرب ما يكون إلى «الفاجعة» بالنسبة إلى الاشتراكيين الأوروبيين الذين لم يتبقّ لهم في السلطة سوى كيث ستارمر في بريطانيا مع أنه يمثّل فعلياً «يمين» حزب العمال والزعيم الاشتراكي بيدرو سانشيز في إسبانيا، مع جهود مشتّتة لإحياء «المعسكر اليساري» في خضمّ أعمق تحولات على المشهد الجيوسياسي العالمي منذ الحرب الكبرى. تصعب الإحاطة بجميع أسباب التراجع الذي تعرضت له القوى «التقدمية» في الديمقراطيات الغربية، لكنها الآن بدأت تسعى لاستعادة الثقة بالنفس. إلا أن من بين الأسباب أن غالبية الزعامات التي كانت ترفع راية نموذج «المسار الثالث» اختارت في حينه إطلاق يد الرأسمالية الجامحة، من منطلق التركيز على إعادة توزيع الثروة أكثر من ضبط طرائق توليدها. ومن ثم، مع مرور الوقت، وانفجار الأزمات الاقتصادية والفضائح المالية، وخروج فرص العمل من مراكزها الأصلية، بدأت الأحزاب التقدمية وقوى اليسار المعتدل تعاني من اعتبارها مسؤولة عن إرساء نظام اقتصادي نجمت عنه أضرار جانبية فادحة. ومن ثم، لم تعُد الطبقات الشعبية ترى في هذه الأحزاب الملاذ الذي يحميها ويدافع عن مصالحها في أوقات الشدّة.

إهمال دور الرقيب على النظام الرأسمالي وفعلاً، أهملت الأحزاب والقوى التي تصف نفسها بـ«التقدمية» دورها كرقيب للنظام الرأسمالي، وانكفأت عن ممارسة وظيفتها في الصراع الطبقي. وفي حين انصرفت هذه الأحزاب والقوى إلى الدفاع عن المجموعات المهمّشة وحقوقها، التي ما زالت اليوم مهضومة بنسبة عالية، فإنها في المقابل، لم تعُد مرجع الطبقات الشعبية... بقدر ما غدت قِبلة أنظار فئة اجتماعية محدودة قوامها أصحاب الشهادات والدراسات العليا في المناطق الحضرية.

يضاف إلى ما سبق، أن هذه الأحزاب والقوى أخفقت في إنتاج «برنامج» فاعل وعملي لمواجهة التحدّيات التي نشأت عن تدفّقات الهجرة الكثيفة، متجاهلةً الهواجس المشروعة التي تسبّبت بها هذه التدفقات، أو مكتفية في بعض الأحيان باستنساخ الوصفات السياسية للقوى اليمينية.

كل هذا دفع بشرائح واسعة من الطبقات الشعبية، المثقلة بالخيبة والمرارة وتضاؤل فرص العمل، إلى الرهان على وعود القوى الشعبوية واليمينية. وطبعاً، من دون أن نغفل أيضاً من الأسباب التي أدّت بدورها إلى تراجع المعسكر «التقدمي»، إبطاؤه أو تردده في استيعاب أهمية آليات «الثورة التكنولوجية» وعمق تأثيرها في المشهد السياسي. وهذا بعكس القوى المتطرفة التي أحسنت استغلالها في إنتاج خطاب سياسي بسيط وفاعل في التحشيد والاستقطاب... يقوم على تأجيج المشاعر خارج دائرة الجدل الفكري النظري.

صعود اليمين الشعبوي ... و«ظاهرة» ترمب خلال السنوات الماضية تفاقم الوضع أكثر بالنسبة لهذا المعسكر، عندما بدا صعود اليمين الشعبوي والمتطرّف وكأنه قدر محتوم. وظهر أن إمساكه بمقاليد السلطة لم يعُد سوى مسألة وقت، لا سيما بعد وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، محمولاً بقوة على موجة «مشروع يميني» عازم على تسخير طاقاته وموارده الهائلة لإنهاض حلفائه ودعمهم في الخارج، خاصة في أميركا اللاتينية وأوروبا.

بيد أن الانتكاسات التي أخذت تتعرّض لها القوى اليمينية المتطرفة في الآونة الأخيرة، مثل الهزيمة القاسية التي لحقت برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ولعله الرمز الأبرز لهذه القوى والتراجع الملحوظ في شعبية رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وفوز الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو في انتخابات البرتغال الرئاسية، وصمود القوى «التقدمية» الفرنسية انتخابياً أمام الموجة اليمينية، خاصة في المدن الكبرى، أعاد الأمل إلى المعسكر «التقدمي» بأن الوقت قد يكون أزف لاستعادة المساحات التي خسرها.

وثمة الآن من يلفت إلى ظهور مؤشرات عدّة على أن التحالف مع «التيار الترمبي» اصبح نقمة أكثر منه نعمة على القوى اليمينية والشعبوية أوروبياً وأميركياً؛ الأمر الذي لعب دوراً أساسياً في رفع معنويات القوى التقدمية وتعزيز إيمانها بالقدرة على النهوض من كبوتها الطويلة.

«قمة برشلونة التقدمية» التباشير الأولى لاستعادة القوى «التقدمية» ثقتها بنفسها، وعزمها على تنسيق الجهود ورصّ الصفوف لمواجهة المد اليميني العالمي لاسترجاع المساحات التي قضمتها القوى الشعبوية في السنوات الأخيرة، ظهرت في مؤتمر القمة الذي استضافته أخيراً مدينة برشلونة تلبية لدعوة من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. والحقيقة، أن سانشيز أصبح المرجع الأوروبي للتيار «التقدمي».....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الشرق الأوسط

منذ 56 دقيقة
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 9 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 20 ساعة
بي بي سي عربي منذ 15 ساعة
بي بي سي عربي منذ 14 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ ساعتين
قناة روسيا اليوم منذ 6 ساعات
بي بي سي عربي منذ 15 ساعة
سكاي نيوز عربية منذ 15 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 10 ساعات