أثير- د. محمد بن حمد العريمي
لم تكن عُمان، عبر تاريخها الممتد على ضفاف بحر العرب ومداخل الخليج، مجرد محطة عابرة في طرق الملاحة، بل كانت وجهةً تستوقف الرحالة، وتثير فضول البحّارة، وتدعو الكتّاب إلى التوثيق والتأمل، فمنذ القرون المبكرة، شكّلت سواحلها، وفي مقدمتها مسقط، نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وموئلًا لحركة تجارية نشطة، ومسرحًا لتفاعلات سياسية وثقافية متشابكة، انعكست بوضوح في كتابات الرحالة الأوروبيين الذين قصدوا المنطقة بدوافع مختلفة؛ بين التجارة والاستكشاف، والخدمة في الأساطيل والشركات البحرية.
وقد ترك هؤلاء الرحالة، ومن بينهم القبطان البريطاني هنري كورنوال في زيارته عام 1716م، أوصافًا دقيقة لمشاهداتهم، سجّلوا فيها ملامح الطبيعة العمانية القاسية والخلابة في آنٍ واحد، وتناولوا تفاصيل الموانئ، وأحوال السكان، وأنماط العيش، والعلاقات السياسية، والاقتصادية، ولم تكن هذه الكتابات مجرد سردٍ لرحلات، بل مثّلت مصادر تاريخية مهمّة تكشف كيف كانت عُمان تُرى من الخارج، وكيف أدرك الآخرون موقعها الحيوي ودورها المؤثر في شبكة التجارة البحرية في المحيط الهندي.
وفي هذا التقرير، تقترب أثير من إحدى تلك الشهادات المبكرة، مستعرضةً زيارة هنري كورنوال Henry Cornwall إلى مسقط في عام 1716م، وما دوّنه من انطباعات وملاحظات، في كتابه المصوّر " ملاحظات حول عدة رحلات إلى الهند ذهابًا وإيابًا" observations upon several voyages to india out and home، الذي نشر لأول مرة في لندن عام 1720، في قراءةٍ تحاول الربط بين النص الرحلي وسياقه التاريخي، وبين الواقع الذي كانت تعيشه عُمان في تلك المرحلة المهمة من تاريخها البحري والسياسي.
قراءة تاريخية في وصف مسقط سنة 1716م
تكشف اللوحة الوصفية، التي دوّنها ورسمها هنري كورنوول لمسقط، والتي تعود إلى عام 1716م، عن جانب مهم من الطريقة التي كانت تُرى بها مسقط من أعين الرحالة والبحّارة الأوروبيين في مطلع القرن الثامن عشر؛ فهي لا تكتفي برسم الملامح الطبيعية للساحل العماني أثناء الاقتراب من مسقط بحرًا، بل تقدّم كذلك انطباعات عن الميناء، وطبيعته الجغرافية، وأهله، ونشاطه التجاري، ومكانته السياسية في محيط الخليج والمحيط الهندي.
ويبدو من النص أن الانطباع الأول الذي تركته مسقط لدى كورنوول كان انطباعًا بصريًا طبيعيًا قاسيًا؛ إذ وصف الساحل بأنه مرتفع، شديد الوعورة، وقاحل، وصخري، وهي صفات تتكرر كثيرًا في أوصاف الرحالة الأوروبيين لمسقط، ولم يكن هذا الوصف بعيدًا عن الحقيقة الجغرافية، فمسقط بالفعل مدينة تحاصرها الجبال الصخرية من جهاتها المختلفة، ويأتيها الداخل بحرًا عبر مشهد مهيب تتداخل فيه الجبال مع الخلجان الضيقة والمرافئ المحمية نسبيًا، ولهذا كثيرًا ما بدت المدينة في أعين القادمين إليها من البحر حصنًا طبيعيًا قبل أن تكون مجرد ميناء.
كما يبرز النص البعد الملاحي لمسقط وساحلها، وهو جانب بالغ الأهمية؛ فالكاتب يسجّل بدقة اتجاهات اليابسة، وارتفاعاتها، ومواضع العلامات البصرية، وعمق المياه، ومخاطر الاقتراب من الساحل، وهو ما يدل على أن هذه المادة لم تكن مجرد وصف أدبي، بل كانت أيضًا دليلًا بحريًا عمليًا يفيد الربابنة والبحارة في الملاحة، ومن هنا تكتسب الوثيقة قيمتها؛ لأنها تمثل نموذجًا من الأدبيات الأوروبية التي جمعت بين الوصف الجغرافي والمعلومة الملاحية، في زمن كانت فيه مسقط محطة أساسية على طرق التجارة البحرية بين الهند، وسواحل الجزيرة العربية، وشرق أفريقيا، والخليج.
" رُسم هذا المنظر عندما كنت على بُعد ثمانية فراسخ من الساحل، وفي ذلك الوقت كنت عند خط عرض 22 درجة و58 دقيقة شمالًا. الأرض جبلية، وبحسب أدواتي الفلكية، كان ارتفاعها نحو درجتين وثلاثين دقيقة عند النقطة (C)، أي أن رأس ريسوت ورأس كليتا تفصل بينهما نحو عشرين فرسخًا، وتمتد اليابسة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. رأيتُ ضوءًا في الليل تحت المرتفعات عند النقطة (D)، مما جعلني أعتقد أننا بدأنا نقترب من بيوت الصيادين، وعلى بعد ثمانية فراسخ من كاليات (قد يقصد بها قريات). وفي الصباح رأيت هذه البيوت على صخرة قريبة من البحر، وقاربين للصيد، ولم أجد قاعًا عند عمق ثمانين قامة على بعد ثلاثة فراسخ من الساحل.
ويؤكد أحد البحارة العارفين بالساحل أن هناك أعماقًا في تلك المنطقة تتجاوز مسقط بقليل، وأنها صخرية، حتى إذا اقتربت من قريات، التي توفر مرسى جيدًا وتعود ملكيتها إلى إمام مسقط، وجدت الأعماق أوضح. وعند الاقتراب لمسافة اثني عشر فرسخًا، ترى قمتين تشبهان أذني الحمار، وهما أقصر قليلًا من مسقط.
غادرتُ مانغلور في 13 فبراير، ووصلتُ إلى مسقط في 13 مارس، وكان موضع وصولي عند خط عرض 22 درجة و30 دقيقة، حيث لاحظت أن الرياح الشمالية الغربية كانت سائدة في أغلب الوقت. والانحراف المغناطيسي هنا نحو عشر درجات وخمس وثلاثين دقيقة غربًا."
ومن اللافت أن النص يصف مسقط بأنها مفتاح الخليج الفارسي، وهي عبارة ذات دلالة إستراتيجية كبيرة؛ إذ تعكس إدراكًا أوروبيًا مبكرًا للموقع الحيوي الذي شغلته المدينة في التحكم النسبي بحركة الملاحة والتجارة بين بحر العرب والخليج، فمسقط لم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل كانت في ذلك الوقت مركزًا بحريًا وسياسيًا مهمًا، ارتبطت مكانته بصعود القوة العمانية البحرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبقدرتها على التمدد في المحيط الهندي ومنافسة النفوذ البرتغالي وغيره من القوى البحرية:
" يقع ميناء مسقط في أرض صخرية قاحلة، ويُعد مفتاحًا للخليج الفارسي. المدينة مبنية بشكل جيد، ومحاطة بجبال شاهقة تطل عليها بطريقة مهيبة."
غير أن النص، كغيره من كثير من الكتابات الأوروبية، لا يخلو من الأحكام الانطباعية المسبقة عند.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة أثير الإلكترونية



