عماد داود يكتب : أولادكم ليسوا لكم

السكين لم تبدأ في مزرعة الكرك.

السكين كانت في البيت منذ زمن، فقط نحن كنا نُصرّ على تسميتها أباً!

بدأت يوم قرر مجتمع كامل أن يربّي أبناءه على أن الرجولة صوت مرتفع، ويد ثقيلة، وغضب لا يُحاسَب. يوم قيل للصبي إن البكاء عيب، وإن الاعتذار هزيمة، وإن المرأة حين تطلب حقها لا تعود شريكة بل خصماً يجب تأديبه. بدأت في بيت يعلّم السيطرة ولا يعلّم الرحمة، وفي مدرسة تعلّم الحساب ولا تعلّم النجاة من الغضب، وفي منبر يتحدث كل جمعة عن أعداء الأمة البعيدين، بينما العدو الحقيقي يعود كل مساء إلى بيته، يخلع حذاءه على الباب، ثم يخلع إنسانيته على وجوه أطفاله باسم القوامة!

بدأت في عيادة نفسية غير موجودة أصلاً، لأننا ما زلنا نعامل الألم النفسي كفضيحة لا كمرض. وبدأت في محكمة تعرف كيف تحسب النفقة بالدينار، لكنها لا تعرف كيف تقرأ الخطر في عيني رجل يرى أبناءه جزءاً من ممتلكاته لا جزءاً من أمانته!

ثلاثة أطفال.

في الخامسة، والسابعة، والعاشرة.

أخذهم أبوهم من بيت أمهم كما يفعل كل أب في زيارة عادية. كانوا يعتقدون أنهم ذاهبون إلى فسحة صغيرة مع الرجل الذي تعلّموا أن الأمان يشبه صوته. ضحكوا في السيارة. ربما تشاجروا على المقعد الخلفي. ربما سأل أحدهم: متى سنعود إلى ماما؟ وربما طلب الآخر شيئاً من الطريق.

في تلك اللحظة، لم تكن المأساة في السكين.

كانت في الثقة!

فالطفل حين يمسك يد أبيه، لا يعرف أنه قد يكون يمسك آخر شيء في حياته.

الأطفال لا يعرفون أنهم في طريقهم إلى موتهم، لأن الأطفال لا يشكّون في الآباء!

وعند وصولهم إلى المزرعة، دخلوا بخفة البراءة نفسها، يظنون أن شيئاً جميلاً ينتظرهم. كانوا يرون في أبيهم جبلاً لا يميل، لا رجلاً يحمل خراباً داخلياً أكبر من البيت كله.

ثم رفع الأب السكين!

ليس الوجع الحقيقي أنهم ماتوا.

الوجع أنهم ماتوا وهم يعتقدون، حتى اللحظة الأخيرة، أن أباهم سينقذهم!

أن النداء الأخير لم يكن صراخ نجدة من قاتل مجهول، بل نداء طفل لأبيه الذي لم يفهم بعد أنه هو الخطر نفسه!

بعد أن انتهى مما انتهى إليه، أخرج هاتفه، صوّر ما فعل، وأرسل الصور إلى أمهم عبر واتساب.

لم يحتج إلى كلمات.

الصورة قالت كل شيء:

لن أقتلكِ أنتِ، لأن موتكِ راحة. سأقتل قلبك، وأترككِ حيّة بما يكفي لتتذكري.

هذه ليست جريمة غضب!

هذه رسالة!

والرسالة لا تُكتب إلا حين يكون صاحبها مقتنعاً أنه على حق.

في الرمثا، أم قتلت طفلتيها بالرصاص ثم أنهت حياتها. في الزرقاء، أب خنق طفلته وأرسل صورتها إلى أمها. في سيل الزرقاء، أب ألقى طفليه في الماء الجاري لأن زوجته طلبت ما يكفل لهم الخبز. سبع عشرة جريمة قتل أسرية في عام واحد فقط. عشرون ضحية. ثلاثة عشر منهم إناث. والبقية أطفال لم يفعلوا سوى أنهم وُلدوا في البيت الخطأ!

الإحصاء الرسمي يقول إن جرائم القتل انخفضت.

جميل.

لكن بعض الجرائم لا تُقاس بالعدد، بل بما تكشفه عن روح البلاد!

وحين يقتل الأب أبناءه بالطريقة نفسها، وللسبب نفسه، ويرسل الرسالة نفسها، مرة في الكرك ومرة في الزرقاء ومرة في الرمثا، فهذا ليس انحرافاً فردياً.

هذا نظام!

والنظام لا يصنعه مجنون واحد.

يصنعه عقل جماعي كامل!

المدرسة علّمته النجاح ولم تعلّمه الاحتواء.

الأسرة علّمته السلطة ولم تعلّمه الأبوة.

المجتمع علّمه أن الأطفال امتداد لاسمه لا أرواح مستقلة.

الثقافة علّمته أن النفقة ليست حقاً بل إهانة.

وفي عقل تشبّع بهذه الأكاذيب، المرأة التي تطلب نفقة أطفالها لا تُقرأ كامرأة تطالب بحق، بل كخصم يعلن هزيمة الرجل.

والرجل الذي تربّى على أن الرجولة سيطرة، لا يعتذر عن هزيمته.

ينتقم منها!

في الحكاية القديمة، جاءت امرأتان إلى القاضي تتنازعان طفلاً. اقترح أن يُشطر الطفل نصفين. صاحت واحدة فوراً: لا، أعطه لها، فقط دعه حيّاً. ومن صاحت، عُرفت أنها الأم.

لأن الأم الحقيقية لا تنتصر.

الأم الحقيقية تحمي!

أب الكرك لم يخشَ الشطر.

هو من أمسك السكين.

هو من شطر!

الفارق بين تلك الأم وهذا الأب ليس أخلاقياً فقط.

هو فارق حضاري كامل.

هي رأت روحاً مستقلة تستحق الحياة أكثر من انتصارها.

هو رأى أداة في حربه مع امرأة.

وهنا تقع الجريمة الحقيقية، قبل السكين بسنوات:

فكرة الملكية!

هؤلاء أولادي، إذن أملك مصيرهم.

هذه أخطر كذبة اجتماعية نعيشها.

الأطفال لا يُملكون!

الأطفال يُؤتمن عليهم!

لكننا ربّينا أجيالاً كاملة على أن الأب مالك لا حارس، ثم نتفاجأ حين يتصرف المالك.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من خبرني

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من خبرني

منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
خبرني منذ 6 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 9 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 9 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 9 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 11 ساعة
خبرني منذ ساعة