أربيل (كوردستان 24)- في سباق محموم مع الزمن، وقبل ساعات قليلة من انقضاء "المهلة الدستورية" لتشكيل الحكومة العراقية المرتقبة؛ تحولت الطاولة المستديرة لزعماء "الإطار التنسيقي" إلى ساحة صراع مفتوحة. وبعد مرور نحو 170 يوماً على الانتخابات التشريعية الأخيرة، تبددت الوعود بتشكيل "أسرع حكومة بعد 2003"، ليحل الصراخ محل النقاش الهادئ، عقب فشل 6 اجتماعات متتالية عُقدت في غضون أسبوعين في حسم هوية الساكن الجديد للقصر الحكومي.
ولم يعد الخلاف في هذه اللحظات الحاسمة مقتصراً على بورصة الأسماء المتداولة، بل تمدد ليشمل رؤساء حكومات سابقين، ونقاشات حادة حول التقاطعات الأميركية-الإيرانية، وأزمة الفصائل المسلحة، لتُطرح على إثر ذلك سيناريوهات راديكالية، أبرزها العودة إلى مربع "الانتخابات المبكرة".
سيكولوجيا الزعماء.. "ملوك بلا تنازلات"
وسط ترقب لـ "الاجتماع السابع" الذي يُعول عليه ليكون حاسماً، كشفت مصادر سياسية مطلعة عن كواليس جلسة عاصفة استضافها منزل زعيم المجلس الأعلى، همام حمودي، يوم الجمعة الماضي.
وتؤكد المصادر أن الاجتماع شهد مشادة كلامية حادة بين زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، والمرشح الأبرز محمد شياع السوداني، انتهت بمغادرة المالكي للاجتماع غاضباً. وتصاعدت حدة السجالات بمشاركة قيادات أخرى، لينفض اللقاء دون أي بوادر للحل، مع بقاء أمل ضئيل بلقاء ثنائي يجمع المالكي والسوداني في اللحظات الأخيرة لإنهاء القطيعة.
وتُرجع أوساط سياسية هذا الانسداد إلى ما تصفه بـ "سيكولوجية الزعماء"، حيث يتقمص كل طرف دور "الملك الذي لا يُنازع". وتبرز هنا مفارقة جلية؛ فهؤلاء القادة أنفسهم أظهروا ثقة مفرطة قبل الانتخابات بتشكيل حكومة سريعة، مستندين آنذاك إلى تراجع الاحتجاجات الشعبية، وانسحاب التيار الصدري الذي كان يمثل المهدد الأكبر لوحدة معسكرهم.
صراع الآليات: "كيف نختار؟" قبل "من نختار؟"
تُظهر المعطيات الحالية أن نقطة الخلاف الجوهرية لم تعد تقتصر على "اسم المرشح"، بل انتقلت إلى "آلية الاختيار" التي تحولت إلى ساحة نزاع موازية. وتنقسم قوى الإطار إلى مسارين:
حصر التصويت داخل "القيادات": مسار يدعمه نوري المالكي، لكنه يواجه رفضاً واسعاً بسبب خلل الأوزان الانتخابية؛ إذ يمتلك محمد شياع السوداني أكثر من 50 مقعداً، بينما لا تتجاوز مقاعد قادة آخرين (مثل همام حمودي) 4 مقاعد، مما ينسف عدالة التمثيل.
توسيع دائرة التصويت (الكتلة الإطارية): طرح يدعمه فريق السوداني، وتيار الحكمة، وعصائب أهل الحق، ويقضي بإشراك جميع نواب الإطار (أكثر من 180 نائباً) في التصويت، ليعكس الوزن النيابي الحقيقي لكل طرف.
وفي هذا السياق، يلخص السياسي بهاء الأعرجي المشهد بوجود انقسام بين نظام "التواقيع" الذي تتبناه دولة القانون، ونظام "التصويت المباشر" الذي تطالب به الأطراف الأخرى.
المالكي تحت الضغط.. ومخاوف من "الانقلاب الأبيض"
وفقاً لتسريبات من داخل الغرف المغلقة، يواجه ترشيح نوري المالكي اعتراضاً رسمياً ومكتوباً من 4 زعماء (من أصل 12) داخل الإطار. ورغم مطالبة هذه الأطراف للمالكي بإعلان انسحابه عبر تسجيل مصور، يرفض الأخير التنحي دون الحصول على "ضمانات مكتوبة" تمنع الانقلاب على أي مرشح بديل يطرحه هو شخصياً.
وتتخوف أطراف داعمة للمالكي من سيناريو يتمثل في انقلاب "مجموعة الثمانية" (التي تمثل أغلبية الثلثين داخل الإطار) على أي بديل يُطرح، مما قد يؤدي إلى حرق جميع الأسماء المقترحة دفعة واحدة
لغة الأرقام وبورصة التسوية
في لغة الحسابات البرلمانية، تفيد مصادر بأن طريق الوصول إلى المنصب يتطلب ما لا يقل عن 35 "نقطة" (مقعداً مؤثراً).
محمد شياع السوداني: يبدو الأكثر حظوظاً، بكتلة ارتفعت إلى 51 مقعداً، وجمعه لـ 7 تواقيع من قادة الإطار (يحتاج توقيعاً واحداً للحسم)، مع مرونة حلفائه في تقديم تنازلات تتعلق بالحصص الوزارية.
نوري المالكي: يواجه فجوة سياسية تعرقل وصوله رغم التواقيع التي جمعها سابقاً.
ورغم تأكيد وليد خالد، القيادي في "ائتلاف الإعمار والتنمية" لـ*(المدى)، أن "السوداني هو المرشح الوحيد"، مشدداً على نفي تداول أسماء كإحسان العوادي؛ إلا أن تعقّد المشهد أعاد فكرة "مرشح التسوية" إلى الطاولة.
وبرزت أسماء وُصفت بـ "العائمة" لضعف غطائها السياسي، مثل: (حيدر العبادي، مصطفى الكاظمي، محمد الدراجي، وعدنان الزرفي). وهو ما أكده القيادي في تيار الحكمة، حسن فدعم، في تصريح لـ(المدى)* قائلاً: "جميع الأسماء مطروحة، ولا يوجد حسم حتى الآن".
تقاطع النيران: واشنطن تلوّح.. وطهران تتراجع
لا يمكن فصل الانسداد الداخلي عن التقاطعات الدولية والإقليمية:
الضغط الأميركي: صعدت واشنطن من لهجتها بتلويحها بورقة العقوبات وتقييد حركة الدولار، وصولاً إلى إعلان "برنامج مكافآت من أجل العدالة" تخصيص 10 ملايين دولار لمعلومات عن "أبو آلاء الولائي"، الذي كان حاضراً في اجتماع الإطار الأخير، في رسالة أميركية واضحة المعالم. (وردت "كتائب سيد الشهداء" على ذلك بتأكيد بقاء الولائي في منصبه).
الدور الإيراني: تبدو طهران اليوم أقل قدرة على فرض تسوية حاسمة مقارنة بفترة القيادة السابقة لـ (قاسم سليماني)، رغم الزيارة الأخيرة لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد.
السيناريو الأخير: العودة إلى صناديق الاقتراع؟
مع وصول المفاوضات إلى حائط سد، بدأ يُطرح بقوة سيناريو يتمثل في إبقاء الحكومة الحالية لتصريف الأعمال لمدة عام واحد، مع منحها صلاحيات موسعة مؤقتاً، تمهيداً للذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة.
يُذكر أن هذا الخيار طُرح سابقاً إبان الفيتو الأميركي على ترشيح المالكي، ويبقى خاضعاً أحكام المادة 64 من الدستور العراقي، التي تشترط لحل البرلمان طلباً من رئيس الوزراء بموافقة رئيس الجمهورية، أو طلباً من ثلث أعضاء البرلمان وتصويت الأغلبية المطلقة، ليبقى العراق أمام ساعات حاسمة قد تعيد رسم مشهده السياسي بالكامل.
المصدر : وسائل اعلام عراقية
هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24
